أبي منصور الماتريدي

364

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بعد علمهم بصلاحهم ، أو على الوصف به كالوصف بالصدّيق ، وإن كان كل نبي كذلك ؛ مع ما لعل لذلك حد عند اللّه ؛ لذلك « 1 » أراد لم يكن أطلع غيره عليه ، واللّه أعلم . وجائز أن يكون « يحيى » بما حيى به الأخلاق المحمودة ، والأفعال المرضية ؛ ولذلك سمى سيدا ؛ وجملته أن للّه أن يسمي من شاء بما شاء ، وليس لنا تكلف طلب المعنى ، فيما سمى اللّه الجواهر به ؛ إذ الأسماء للتعريف ، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل ، واللّه أعلم . وقوله : وروح اللّه وكلمته - كقوله : خليل اللّه وحبيبه ، وذبيح اللّه ، وكليم اللّه ، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة ، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة ، وذلك على ما قيل : من بيوت اللّه ، وعلى ما قيل لدينه : نور اللّه ، وقيل لفرائضه : حدود اللّه ، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه ؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله ، وذلك كما قال لمحمّد صلى اللّه عليه وسلم : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] ، وقال في الجملة : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] لا على ما توهمته النصارى في المسيح « 2 » ، فمثله الأول ، ولا قوة إلا باللّه . وقوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا « 3 » : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلا . وفيه وجه آخر : وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار ؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل « 4 » ؛ ليعلم أن قوله : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] إلى آخره : إنما هو حقيقة الخضوع للّه ، والإنباء عنه ، لا على خلقه ؛ كنطق الجوارح في الآخرة ، واللّه أعلم . أو لتكون آية له دائمة ؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر : من التغيير ، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء ، نحو العصا فيما تعود إلى حالها ، واليد ، ونحو ذلك ؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام ، ولا قوة إلا باللّه .

--> ( 1 ) في ب : ذلك . ( 2 ) سيأتي الكلام على مذاهب النصارى في طبيعة المسيح بأوسع من هذا في سورة المائدة ، عند قول اللّه - تعالى - : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [ المائدة : 72 ] . ( 3 ) لا أدري ما المناسبة في ذكره هذه الآية هنا ، والكلام ما زال متصلا عن يحيى وزكريا - عليهما السلام - وهذه الآية عن عيسى بن مريم ؟ ! وسيذكر المصنف هذه الآية في موضعها ، وإن كان كلامه هناك أخصر مما هنا . ( 4 ) الكهل : الرجل إذا وخطه الشيب ، ومن الرجال : الذي جاوز الثلاثين ووخطه الشيب . ينظر : اللسان ( 5 / 3947 ) ( كهل ) .