أبي منصور الماتريدي

355

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال الشيخ [ رحمه اللّه ] « 1 » أيضا في قوله : إن اللّه اصطفى من ذكر : فهو - واللّه أعلم - ذكر اللّه أولياءه وأهل صفوته ، ثم أعداءه وأهل الشقاء ؛ ترغيبا فيما استوجبوا الصفوة ؛ وتحذيرا عما به صاروا أهل الشقاء ؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر ، ويقومان بأسبابهما أهل المحن ، لا بنفس الخلقة والجوهر ؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت ؛ وعلى [ ذلك وجه ذكر ] « 2 » عواقب الفريقين في الدنيا ، وما إليه يصير أمرهم في المعاد ؛ وعلى هذا ما ضرب اللّه من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيبا وترهيبا ؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا ، أنها كلها عبر ومواعظ ، وإن كان فيها شهوات ولذات ، وآلام وأوجاع ؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم ، كان ذلك هو المقصود من مدبر العالم [ أن ] « 3 » بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون ؛ فجعل اللّه عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة ؛ ترغيبا فيها ، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة « 4 » وجيفة « 5 » ؛ تزهيدا فيها ؛ فخرج جميع فعل اللّه على الحكمة والإحسان ، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة ؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء ، وفي ابتداء المحنة ، إلا أن المحنة تكون مختلفة ، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان ؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمة وإحسان ؛ أعني : بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى ، والحكمة فيما كان لازما ذلك في التدبير ، ولا قوة إلا باللّه . وقوله : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ : قيل : بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم ، ثم من ذرية نوح ، ثم من ذرية إبراهيم ، عليهم السلام . وقيل : بعضهم من ذرية بعض . وقيل : بعضهم من جوهر بعض ؛ فلا تتكبروا ؛ كقوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [ النساء : 25 ] منع الحرّ عن التعظيم على العبد . واختلف في الذرية : قال بعضهم : « الذرية » : الأولاد والآباء ؛ كقوله : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : 3 ] ، وكانوا الأولاد والآباء ، والذريّة مأخوذة ، وهو الخلقة .

--> ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) في ب : هذا ذكر وجه ذكر . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) دميمة : قبيحة . ينظر : اللسان ( 2 / 1427 ) ( دمم ) . ( 5 ) الجيفة : جثة الميت إذا أنتنت . ينظر : اللسان ( 1 / 739 ) ( جيف ) .