أبي منصور الماتريدي
344
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأيام التي عبد آباؤهم العجل ، فظنوا أنهم إنما يعذبون بقدر ما عبد آباؤهم العجل ، وأنهم لا يخلدون في النار ؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء اللّه وأحبّاؤه « 1 » . ويحتمل أن يكون آباؤهم قالوا لهم : إنكم لا تعذبون في النار إلا قدر عبادتنا العجل ؛ فأخبر - عزّ وجل - أن قد غرهم في دينهم ما كانوا يفترون ، ثم خوفهم فقال : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 26 إلى 27 ] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) وقوله : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ الآية [ آل عمران : 26 ] : يحتمل قوله : مالِكَ الْمُلْكِ وجهين : أحدهما : مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك . والثاني : أن الملك له ، يؤتي من يشاء من ملكه ، وينزع ممن يشاء الملك ، وهو المالك لذلك ، والقادر عليه . والآية ترد على القدرية قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن اللّه لا يعطي الكافر الملك ، وهو قد أخبر - عزّ وجلّ - أنه يؤتي « 2 » من يشاء الملك ، وقد يؤتي الكافر به الملك ، فإن قالوا : أراد ب « الملك » : الدين ، فقد أخبر - عزّ وجل - أيضا أنه ينزع ، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا . ثم في الآية تقوية لمن قرأ : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] بالألف « 3 » لأنه أعمّ وأجمع ؛ لأنه قال : مالِكَ الْمُلْكِ وهو أعمّ . والثاني : أن « الملك » إنما يعبّر عن الولاية والسلطان ، و « المالك » : إنما يعبر عن حقيقة الملك ، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية « 4 » السلطان ، ولا كل من له ولاية السّلطان يكون له ولاية التغلب فيه ؛ لذلك كان بالألف
--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 6 / 293 ) ، ( 6786 ) وابن أبي حاتم ( 2 / 168 ) ، رقم ( 293 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 25 ) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ( 2 ) في ب : يعطي . ( 3 ) وهي قراءة عاصم والكسائي ، وقرأ باقي السبعة « ملك » بدون ألف . راجع : الحجة لأبي زرعة ( ص : 77 ) ، الحجة لابن خالويه ( ص : 12 ) ، السبعة لابن مجاهد ( ص : 104 ) ، النشر لابن الجزري ( 1 / 271 ) . ( 4 ) في ب : وولاية .