أبي منصور الماتريدي

342

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أطلعهم عليها ؛ ليكون آية لهم ، واللّه أعلم . ومنها العقليات : وهي التي تعرف بالمحن ، والبحث عنها مما بها يوصل إلى معرفة التوحيد والرسالة ونحوها ، ثم قد جعلها كلها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمن يكفر بها يخرج على وجهين : أحدهما : على الكفران بحقيقة الآيات ؛ أن يكون هن آيات لما أقيمت له ، وهن من الوجوه التي ذكرت ، فقضى اللّه - تعالى - لمن يكفر بها بما ذكرت ؛ لتعنتهم ومعاندتهم ، واللّه أعلم . والثاني : أن يريد بالكفر بالآيات : الكفر بمن له الآيات ؛ فنسب إلى الآيات ؛ لما بها تعلم الحقيقة ، كما تنسب الأشياء إلى أسبابها التي بها يوصل إليها ، فذلك معنى الكفر بالآيات ، ثم كانت الكتب السماوية ، وما فيها من النعوت ، وما أعجزهم عن إتيان مثل القرآن ، وغير ذلك من الحسّيات ، واللّه أعلم . فعلى ما ذكرنا يخرج معنى الكفر بالآيات ؛ لأنها بحيث يأخذها الحواس ، ويحيط بها الأوهام والعقول ؛ ولكن على أنهن آيات للذي دلّكم عليه ، أو على الكفر بالذي له آيات توجب تحقيقه ، واللّه أعلم « 1 » . وقوله : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وقال في ذلك الكتاب : لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] ، وقد ارتاب فيها أكثر أهل الأرض ؛ قيل : قوله : لا رَيْبَ فِيهِ قد يتكلم به على تثبيت المقول به عند قائله ، لا على نفي الشك عن كل من سمعه ؛ إرادة التأكيد ؛ فعلى ذلك أمكن أن يخرج معناه ؛ إذ هو مخاطبة على ما عليه كلامهم ؛ وكذلك قولهم أبدا على دوامه وامتداده ، لا على حقيقة الأبدية ؛ وكذلك يقولون : هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] ، وأمر قديم : لا على حقيقة القدم ؛ التي تخرج على الكون بعد أن لم يكن ، واللّه الموفق . والثاني : على أنه لا يرتاب فيه المتأمّل المنصف بما جعل اللّه لذلك من الآيات ، وعليه من الأدلة التي من تدبر فيها - أظهرته له ، حتى يصير كالمعاين ، ولا قوة إلا باللّه . والثالث : أن يخبر به رسوله صلى اللّه عليه وسلم عن قوم مخصوصين مما كانوا ينازعون فيه ، بعد علمهم بصدقه ؛ ليعرف به تعنتهم ، ويؤيسه عن الطمع فيهم ، ولا قوة إلا باللّه . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 21 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 )

--> ( 1 ) في ب : الموفق .