أبي منصور الماتريدي
340
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : جاء أنهم كانوا يقتلون ألف نبي كل يوم « 1 » ، قال [ الشيخ ] : لا أعرف هذا ، فإن صح فهو على أنهم تمنوا ذلك ، أو قتلوا نبيّا وأنصاره ، فسمّوا أنبياء ؛ لما كان ينبئ بعضهم بعضا « 2 » ، واللّه أعلم . وقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ : لو كان أراد آباءهم كيف يأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالبشارة وهم موتى ؟ ! دل هذا على أن التأويل هو الأوّل : أنهم « 3 » هموا بقتلهم ، أو رضوا بصنع آبائهم ، واللّه أعلم . والبشارة المطلقة إنما تستعمل في السّرور والخيرات خاصّة ، إلا أن تكون مقيّدة ؛ فحينئذ تجوز في غيرها ؛ كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ قيدها هنا ؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم اللّه - : أن ليست الحقائق « 4 » أولى من المجاز « 5 » ، ولا الظاهر « 6 » أولى
--> ( 1 ) المعروف أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا في ساعة واحدة . أخرجه ابن أبي حاتم في « تفسيره » ( 2 / 161 ) ( 276 ) والطبري في « تفسيره » ( 6 / 285 ) ( 6780 ) من حديث أبي عبيدة بن الجراح ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 23 ) وعزاه لهما . ( 2 ) قال القاسمي : وقوله تعالى : بِغَيْرِ حَقٍّ إشارة إلى أن قتلهم للأنبياء كان بغير حق في اعتقادهم أيضا ؛ فهو أبلغ في التشنيع عليهم . ينظر : محاسن التأويل ( 4 / 73 ) . ( 3 ) في ب : أن . ( 4 ) الحقائق : جمع حقيقة ، والحقيقة في اللغة : حقّ الشيء : إذا وجب ، واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم . وحقه يحقه حقّا : غلبه . أما في الاصطلاح : فقد عرفها عبد القاهر الجرجاني بأنها : كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا يستند فيه إلى غيره ، أي : الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم ولا تأخير ، كقول القائل : أحمد اللّه على نعمه وإحسانه . وعرفها الرازي بأنها : كل لفظ أفيد به ما وضع له في أصل الاصطلاح الذي وقع به التخاطب ، لعلاقة بينه وبين الأول . ينظر : لسان العرب ( 2 / 940 ) ، ( حقق ) ، أسرار البلاغة في علم البيان للجرجاني ، ( ص 280 ) ، والمحصول للرازي ( 1 / ق 3 / 397 ) ، وميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه للسمرقندي ( 1 / 5291 ) . ( 5 ) المجاز مأخوذ من جاز يجوز : إذا استن ماضيا . يقال : جاز فلان ، وهو الأصل . يقال : جزت مكان كذا ، أي : عبرته . وفي الاصطلاح : المجاز : هو اللفظ المستعمل في إفادة معنى غير ما وضع له ؛ لكونه مشابها للمتعدى عن المكان في كونه منتقلا عن موضوعه الأصلي . وقيل في تعريفه كذلك بأنه : كل لفظ أفيد به معنى مصطلح عليه غير ما كان في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به . ينظر : لسان العرب ( 1 / 724 ) ( جوز ) ، أسرار البلاغة في علم البيان للجرجاني ، ( ص 280 ) ، المحصول للرازي ( 1 / ق 3 / 397 ) ، ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه ، للسمرقندى ( 1 / 529 ) . ( 6 ) أراد بالظاهر : ما ظهر بيانه ، والظاهر - لغة - : مشتق من الظهور ، وهو الوضوح والانكشاف . واصطلاحا : هو اللفظ الذي انكشف معناه اللغوي ، واتضح للسامع من أهل اللسان بمجرد -