أبي منصور الماتريدي
305
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المحكم منه ، ولكن يلزم الإيمان به ، وهو من اللّه محنة على عباده ، وللّه أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن ؛ لأنها دار محنة . وغيرها لا يفهم « 1 » مرادها « 2 » . ويحتمل أن يكون المحكمات : هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام ؛ حتى لم يختلفوا فيها . والمتشابه : هو الذي اشتبه على الناس ؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها ، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه ؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به ، وتعلق آخرون بالباطن ؛ لما رأوا ظاهره جورا وظلما « 3 » أو تشبيها ، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه ، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم . وقال آخرون : المحكم : هو الواضح المبين ، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه ، وادعاء كل أنّ الذي هو عليه هو المحكم ؛ لأنه لو كان ظاهرا مبيّنا لتمسّكوا به ، ولم يقع بينهم اختلاف . وفيه دليل ونقض على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين « 4 » : أنه لا يفعل إلا
--> ( 1 ) في ب : ما لا يفهم . ( 2 ) قال الطبري : وقال آخرون : بل « المحكم » من آي القرآن : ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره . والمتشابه : ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه دون خلقه . . . وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد اللّه بن رئاب . جامع البيان ( 6 / 179 - 180 ) . ( 3 ) أما الجور : فهو الميل - أيضا - لغة : يقال : جار السهم : إذا زال عن سننه . إلا أنه في الشرع استعمل في الميل عن الحق إلى الباطل . وأما الظلم - في اللغة - فعبارة عن : وضع الشيء في غير محله . يقال في المثل : من أشبه أباه فما ظلم - أي : هذا الشبه ليس في غير موضعه ، ويقال : ظلم الشعر إذا ابيضّ في غير حينه . ينظر : ميزان الأصول للسمرقندي ( 1 / 152 ) ، ومختار الصحاح للرازي ( 39 ) . ( 4 ) إن فكرة الصلاح والأصلح فكرة من بنات أفكار أهل الاعتزال ، وقد كثر الحديث عنها بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة ، حتى المعتزلة أنفسهم لم تتفق كلمتهم في تحديد مدلول الصلاح ، هل هو في الدين فقط أم في الدين والدنيا معا ؟ يقول العلامة الباجوري : « واعلم أن للمعتزلة عبارتين ؛ الأولى : وجوب الصلاح ، والمراد به ما قابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر ، فيقولون : إذا كان هناك أمران ؛ أحدهما : صلاح ، والآخر : فساد ، وجب على اللّه أن يفعل الصلاح منهما دون الفساد . والثانية : وجوب الأصلح ، والمراد به ما قابل الصلاح ككونه أعلى الجنان في مقابلة كونه في أسفلها ، فيقولون إذا كان هناك أمران أحدهما : صلاح ، والآخر : أصلح منه وجب على اللّه أن يفعل الأصلح منهما دون الصلاح . فالحاصل أن المعتزلة توجب على اللّه - تعالى - فعل الصلاح والأصلح ؛ غير أنهم انقسموا إلى فريقين : فمدرسة بغداد الاعتزالية ترى أنه يجب على اللّه - تعالى - مراعاة الصلاح والأصلح لعباده في الدين والدنيا . ومدرسة البصرة الاعتزالية ترى أنه يجب عليه - تعالى - مراعاة الصلاح والأصلح لعباده في -