أبي منصور الماتريدي

301

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ : قد ذكرنا فيما تقدم « 1 » أنه إنما سمّي فرقانا ؛ لوجهين : أحدهما : لما فرق آياته وفرق إنزاله « 2 » . والثاني : لما يفرّق بين الحق والباطل ، وبين الحرام والحلال ، وبين ما يتقى ويؤتى ؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام ، وبيّن ما يتقى ويؤتى . والإنجيل فيه سمي إنجيلا ؛ لما يجلي ، وهو الإظهار في اللّغة « 3 » . وقيل : سمّى التوراة توراة من أوريت الزند ؛ وهو كذلك « 4 » . واللّه أعلم « 5 » . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ . . . : قيل : بحجج اللّه « 6 » . وقيل : كفروا بآيات اللّه ، أي : باللّه « 7 » ؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به ، وكذلك الكفر بدينه كفر به ، والبراءة من دينه براءة منه ، والبراءة من رسوله براءة منه .

--> ( 1 ) تقدم في الآية ( 53 ) سورة البقرة . ( 2 ) قال - تعالى - : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] . ( 3 ) الإنجيل : - في الحبشية - : ونجيل ، والأصل يوناني : يوأنجليون : المكافأة التي تعطى للبشير ، والبشرى . وهو ما أوحى به إلى عيسى - عليه السلام - وعند المسيحيين : سيرة المسيح وأقواله وأفعاله ، وقد نقل بروايات مختلفة ، اعتمدت الكنيسة منها أربعا هي : روايات متّى ، ويوحنّا ، ولوقا ، ومرقص ، وهي الأناجيل الأربعة المعروفة . وأقدم ترجمة عربية للإنجيل ترجع - فيما يروى ابن العبري - إلى سنتي 631 و 641 م . ينظر : المعجم الكبير : ( 1 / 535 ) إصدار مجمع اللغة العربية مصر . وانظر تناقض الأناجيل وتحريفاتها في : « الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح » لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه القيم ابن القيم في كتابه : « هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى » ، وللعلامة القرافي كتاب أسماه ب « الأجوبة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجرة » و « الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام » للقرطبي . ( 4 ) التوراة : هي كلام اللّه المنزل على موسى - عليه السلام - ليبلغه لقومه لعلهم يهتدون . قال - تعالى - : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ البقرة : 53 ] . وتعتبر التوراة التي تحدث القرآن عنها جزءا من الكتب التي فرض اللّه على المؤمنين الإيمان بها في قوله - تعالى - : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] - والتوراة : لفظ عبري معناه الهدى والإرشاد والشريعة كذلك - والتوراة المنزلة على موسى لم يوجد لها أثر لعدة أسباب إلا نذر يسير شاء اللّه أن تتناقله الألسنة حتى دوّن . ينظر : الملل والنحل للدكتور طلعت محسن ص ( 81 - 82 ) . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن وإعرابه للزجاج ( 1 / 374 ) ، والزاهر للأنباري ( 1 / 168 ) ، والمحرر الوجيز ( 1 / 398 ) ، واللسان ( 6 / 4821 ) « ورى » ، ومعاني القرآن للنحاس ( 1 / 341 ) ، وتفسير البغوي ( 1 / 277 ) . ( 6 ) تفسير الرازي ( 7 / 141 ) . ( 7 ) قال الطبري : والذين كفروا هم الذين جحدوا آيات اللّه ، وآيات اللّه : أعلام اللّه وأدلته وحجته . جامع البيان ( 6 / 164 ) .