أبي منصور الماتريدي
293
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لمنفعة تتأمل فيه ، وينهى عن شئ لدفع ضرر يخافه . وتعالى اللّه عن ذلك . وقوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا . قيل فيه بوجهين : قيل : إِنْ نَسِينا يعنى : تركنا ، كقوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ . وكقوله : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [ طه : 115 ] ، أي : ترك . وقوله : أَخْطَأْنا ، يعنى : ارتكبنا ما نهيتنا . وقيل « 1 » : إنه على حقيقة النسيان والخطأ ، كأنه على الإضمار أن قولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا . . . الآية . ثم اختلف بعد هذا : قالت المعتزلة : أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقربا إليه . وكذلك قوله تعالى : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [ آل عمران : 194 ] ، وكذلك قوله : قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [ الأنبياء : 112 ] ، ونحوه ، خرج الدعاء به مخرج التعبد والتقرب ؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبر أن لا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ « 2 » ، وأخبر أنه لا يخلف الميعاد ، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا بالحق . وكذلك قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ محمد : 19 ] وقد أخبر أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولكنه على ما ذكرنا ، وإلى هذا يذهب المعتزلة . وأما الأصل عندنا في هذا : أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا . ألا ترى أن اللّه تعالى أوجب على قاتل الخطأ الكفارة ، ثم قال : تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [ النساء : 92 ] ، فلو لم يجز « 3 » أن يعاقب على النسيان والخطأ ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى ؛ دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به . والثاني : قوله عزّ وجل : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [ الكهف : 63 ] ، وفعل الشيطان
--> ( 1 ) قاله ابن زيد بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 6506 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 1 / 659 ) كتاب : الطلاق ، باب : طلاق المكره والناسي ، حديث ( 2045 ) ، والعقيلي في الضعفاء ( 4 / 145 ) ، والبيهقي ( 7 / 356 - 357 ) كتاب : الطلاق ، باب : ما جاء في طلاق المكره ، كلهم من طريق محمد بن المصفى ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه وعن الخطأ والنسيان » . ( 3 ) في ط : فلو كان لا يجوز .