أبي منصور الماتريدي
29
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والسفر « 1 » والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية ، فعليه قضاؤه .
--> - خلاف عندنا ، خلافا لأهل الظاهر . وخوف الضرر هو المعتبر عند الحنابلة ، أما خوف التلف بسبب الصوم فإنه يجعل الصوم مكروها ، وجزم جماعة بحرمته ، ولا خلاف في الإجزاء ؛ لصدوره من أهله في محله ، كما لو أتم المسافر . قالوا : ولو تحمل المريض الضرر ، وصام معه ، فقد فعل مكروها ؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه ، وتركه تخفيفا من الله وقبول رخصته ، لكن يصح صومه ويجزئه ؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة ، فإذا تحمله أجزأه ؛ لصدوره من أهله في محله ، كما أتم المسافر ، وكالمريض الذي يباح له ترك الجمعة ، إذا حضرها . قال في ( المبدع ) : فلو خاف تلفا بصومه ، كره ، وجزم جماعة بأنه يحرم . ولم يذكروا خلافا في الإجزاء . ولخص ابن جزى من المالكية أحوال المريض بالنسبة إلى الصوم ، وقال : للمريض أحوال : الأولى : ألا يقدر على الصوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام ، فالفطر عليه واجب . الثانية : أن يقدر على الصوم بمشقة ، فالفطر له جائز ، وقال ابن العربي : مستحب . الثالثة : أن يقدر بمشقة ، ويخاف زيادة المرض ، ففي وجوب فطره قولان . الرابعة : ألا يشق عليه ، ولا يخاف زيادة المرض ، فلا يفطر عند الجمهور ، خلافا لابن سيرين . ونص الشافعية على أنه إذا أصبح الصحيح صائما ، ثم مرض ، جاز له الفطر بلا خلاف لأنه أبيح له الفطر للضرورة ، والضرورة موجودة ، فجاز له الفطر . ينظر : المجموع ( 6 / 258 ) ، كشاف القناع ( 2 / 310 ) ، الإنصاف ( 3 / 286 ) . ( 1 ) يشترط في السفر المرخص في الفطر ما يلي : أ - أن يكون السفر طويلا مما تقصر فيه الصلاة ، قال ابن رشد : وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة ، ولما كانت لا توجد في كل سفر ، وجب أن يجوز الفطر في السفر الذي فيه المشقة ، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك ، وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة . ب - ألا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدة أربعة أيام بلياليها عند المالكية والشافعية ، وأكثر من أربعة أيام عند الحنابلة ، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يوما عند الحنفية . ج - ألا يكون سفره في معصية ، بل في غرض صحيح عند الجمهور ؛ وذلك : لأن الفطر رخصة وتخفيف ، فلا يستحقها عاص بسفره ؛ بأن كان مبنى سفره على المعصية ، كما لو سافر لقطع طريق مثلا . والحنفية يجيزون الفطر للمسافر ، ولو كان عاصيا بسفره ، عملا بإطلاق النصوص المرخصة ، ولأن نفس السفر ليس بمعصية ، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره ، والرخصة تتعلق بالسفر لا بالمعصية . د - أن يجاوز المدينة وما يتصل بها ، والبناءات والأفنية والأخبية . وذهب عامة الصحابة والفقهاء ، إلى أن من أدرك هلال رمضان وهو مقيم ، ثم سافر ، جاز له الفطر ؛ لأن الله تعالى جعل مطلق السفر سبب الرخصة ، بقوله : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، ولما ثبت من « أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافرا ، وأفطر » . ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة . وحكى النووي عن أبي مخلد التابعي أنه لا يسافر ، فإن سافر لزمه الصوم وحرم الفطر . وعن سويد بن غفلة التابعي : أنه يلزمه الصوم بقية الشهر ، ولا يمتنع السفر ، واستدل لهما بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وحكى الكاساني عن علي وابن عباس - رضى الله تعالى عنهم - أنه إذا أهل في المصر ، ثم سافر ، لا يجوز له أن يفطر . واستدل لهم بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ -