أبي منصور الماتريدي
286
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الشَّهادَةَ ، ولا يجد من يشهدهم ، ولا يجد من يشهد له غيرهم . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ : فيه دلالة جواز السلم في الثياب ؛ لأن ما يكال ويوزن لا يقال فيه : « الصغير والكبير » ، ولا يكتب : « صغيرة وكبيرة » ، إنما يقال ذلك في العددي . وقوله تعالى : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ، يقول : أعدل عند اللّه ، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ، في الحجة . وقوله تعالى : وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا : أقرب إلى دفع الظنون والشكوك التي تحملكم على التناكر والتنازع الذي عاقبته الفسخ ؛ ولهذا ما أمر عزّ وجل بالكتابة فيه والإشهاد ، وذكر كل صغير وكبير ، لئلا يقع بينهم في العاقبة تنازع وتناكر ، فيحمل ذلك الحاكم على فسخ العقد بينهما . وعلى ذلك نصبوا الأجل فيه شرطا لقطع وقوع التنازع والتناكر الذي حكمه الفسخ في العاقبة « 1 » . واللّه أعلم . وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ . . . الآية : استثنى عزّ وجل التجارة الحاضرة بترك الكتابة والإشهاد والرهن وغيره ، وذلك لما ذكرنا آنفا أن الديون والقروض تنسى وتشتبه على الناس ؛ فلذلك أمر بالكتابة فيها ، والإشهاد ، ولا كذلك التجارات الحاضرات ، وعلى ذلك أمر ظاهر بين الناس أنهم يكتبون ويشهدون في الديون والقروض ، ولم يعلموا ذلك في التجارات الحاضرات الجاريات فيما بينهم ، لارتفاع ما يخاف وقوعه في الديون والقروض وخلائها عن ذلك . واللّه أعلم . وقوله : تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها : يقول : يدا بيد وليس فيها إيجاب القبض على المجلس . وقوله وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ : أمر عزّ وجل بالإشهاد [ في التجارة الحاضرة ، ولم يأمر بالكتابة ، وأمر في التداين بالكتابة والإشهاد ] « 2 » جميعا ؛ فالأمر بالكتابة لمحافظة الحقوق ومعاهدة كل قليل وكثير فيه ، وأما الأمر بالإشهاد للأدب ، والأمر بالرهن أمر بالوفاء ، والرهن والكتابة والإشهاد كل ذلك يمنع صاحبه عن الإنكار والجحود ، ويذكر عند النسيان والسهو . ذلك كله لقطع التنازع الواقع فيما بينهما في المتعقب . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) في ب : الآخرة . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط .