أبي منصور الماتريدي

284

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ . . . الآية ؛ فخرج الكفار من خطاب الآية ؛ لذلك لم تقبل شهادتهم على أهل الإسلام . وأما العبيد فلم يدخلوا تحت هذا الخطاب لوجوه : أحدها : ما ذكرنا : أن ظاهر الخطاب للأحرار دون العبيد ، لما لا يملكون هم التداين والتبايع ؛ فعلى ذلك خطاب الشهادة . فإن قيل : أليس العبيد يملكون التبايع والتداين ؟ قيل : يملكون بالإذن والتولية لا بملك أنفسهم فذلك القدر من التداين وغيره ، يملك الكفار ، ثم لم يجب قبول شهادتهم ، ولا دخلوا تحت ذلك الخطاب ؛ فكذلك العبيد . والثاني : ما قاله عزّ وجل : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ، ثم لا يملك العبيد الإجابة لكل ما دعوا لحق السادات ؛ فعلى ذلك ليس عليهم الإجابة في الشهادة لحق السادات . واللّه أعلم . والثالث : أن اللّه تعالى قسم الشهادة قسمة الميراث بقوله : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ، وقال في الميراث : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] ، ثم لاحظ للعبيد في الميراث ؛ فعلى ذلك لاحظ لهم في الشهادة . والرابع : أن الشهادات تجرى مجرى الولايات والتمليكات ، ثم لا ولاية تكون للعبد على غيره ولا تمليك ؛ فعلى ذلك الشهادة ، إذ فيها ولاية وتمليك الحاكم الحكم . واللّه أعلم . وعلى هذا بطلت شهادة الكفار على أهل الإسلام لما لا ولاية لهم عليهم . والخامس : أن الشهود بين حالين : بين أن يصدقوا فتمضى شهادتهم ، وبين أن يكذبوا فيضمنوا . ولما كان العبيد إذا كذبوا في شهادتهم لم يضمنوا ؛ لأن ضمان الشهادة ضمان معروف ؛ لأنه لا بدل له بإزاء من لم يكن من أهل الشهادة ؛ دل أنهم ليسوا من أهل الشهادة . وعلى ذلك قلنا : إن النكاح يجوز بشهادة الفاسق والمحدود في القذف ، وأنهما من أهل الشهادة فيه ؛ لأنهما من أهل الضمان ، وإن كانت شهادتهما ردت لتهمة الكذب في سائر الحقوق . وأما العبد : فليس هو من أهل الشهادة بحال ، للمعنى الذي وصفنا . واللّه أعلم . وإلا القياس يقتضى أن تجوز شهادة العبيد ؛ لأنها من حق اللّه ، ودليله قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ [ الطلاق : 2 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ [ المائدة : 8 ] . فإذا كانت من حق اللّه تعالى ، وحقوق اللّه تعالى لا يختلف