أبي منصور الماتريدي
278
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم المسألة في الحجر : قال أبو حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : الحجر لا يمنع عقوده . وقال محمد بن الحسن : لا يجوز عقوده ، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك ؛ استدلالا بظاهر قوله : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ، فإنما جعل الإملاء إلى الولي ، لا إليه . ولو كان يجوز إملاؤه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره ؛ دل أنه لا يجوز . وأما أبو حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله تعالى : إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ، أجاز تداينه ؛ فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه ، ولأن السفيه لم يستفد الإذن من السلطان ؛ إنما استفاده من اللّه تعالى ، ولا يجوز حجر من لم يستفد الإذن منه . وقوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ : لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع ، ولكنه معطوف على قوله : فَاكْتُبُوهُ . أمر عزّ وجل بالإشهاد في البيع والتداين ؛ للمعنى الذي ذكرنا : أن ترك الإشهاد والكتابة يحمله على الإنكار وجحود الحق ، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع من الإنكار ؛ لخوف ظهور الكذب . ولم يصر شرطا في جواز التداين ؛ لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة . وكذلك الكتابة فهو لما ذكرنا : أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو ؛ فأمر بالاستشهاد والكتابة لئلا ينسى ، أو يحمله ترك الإشهاد والكتابة على الإنكار . وأما الأمر بالإشهاد في النكاح - في عقد النكاح نفسه - دليله قوله - عليه السلام - : « لا نكاح إلا بشهود » ؛ لذلك صار شرطا في عقد النكاح ، ولم يصر شرطا في المبايعة . ووجه آخر : وهو أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما ، وقد يحوج إليه في أول أحواله . والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع ؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع ، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح ؛ لذلك صار الإشهاد شرطا في جواز النكاح ، ولم يكن شرطا في البيع . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ : في الآية دلالة أن من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب ، وهو أيضا خلاف السنة ؛ لأن قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا ، ليس هو الإشهاد ، إنما هو الإحضار للشهادة ؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد ، إنما يقع عند الاستحضار ، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما ؛ ولأن الآية ذكرت حق القضاء في البياعات « 1 » الواقعة
--> ( 1 ) في ط : المباهات .