أبي منصور الماتريدي
277
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فلا يبطل حقه . وفيه وجه آخر : وهو أن قوله - تعالى - : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ، أي : لا يأب الكاتب إذا كتب أن يكتب بالعدل ، أي : له ترك الكتابة ، ولكنه إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل . واللّه أعلم . وقوله تعالى : كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ، هو نقض على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : يكتب وإن لم يعلمه اللّه تعالى . واللّه - عزّ وجل - أخبر أنه يكتب بتعليم اللّه إياه . ولو كان التعليم من اللّه تعالى إيتاء الأسباب لم يكن لقوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ يس : 70 ] معنى ؛ لأنه قد أعطى أسبابه . والعدل - ما ذكرنا - : ألا يزيد على الحق ، ولا ينقص منه . وأصل العدل : هو وضع الشئ موضعه . وقوله تعالى : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : ما عليه ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ : ولا ينقص ، مِنْهُ شَيْئاً : [ أي : لا يملى على الكاتب أقل من حقه ولا ينقص منه شيئا ] « 1 » . ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد فيما يملى على الكاتب ألا ينقص من حق الطالب شيئا . وقوله تعالى : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ ، قال قائلون : هذا كله واحد : السفيه ، والضعيف ، والذي لا يستطيع « 2 » أن يمل . وقال آخرون « 3 » : بل هو مختلف ، السفيه هو الصغير ، فليملل وليه . والضعيف هو المريض الذي لا يقدر أن يملّ . والذي لا يستطيع أن يمل هو الجاهل الذي لا يعرف أن يمل . ثم اختلف في الولي : قال بعضهم « 4 » : الولي : هو صاحب الحق ، يملّ بالعدل بين يدي من عليه الحق ؛ لئلا يزيد على ذلك شيئا ، فإن زاده أو نقصه أنكر عليه صاحبه . وقال آخرون : الولي هو وصى الصغير ، أو ذو النسب منه .
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) في أ : لا يقدر . ( 3 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 6346 ) ، وعن الضحاك ( 6347 ) . ( 4 ) قاله الربيع ، أخرجه ابن جرير عنه ( 6348 ) .