أبي منصور الماتريدي
276
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجها آخر : وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك ، أو ينسى بعضه ويذكر بعضا ؛ فأمر اللّه تعالى بالكتابة ؛ لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة . ولا كذلك بيع العين ؛ لذلك افترقا . واللّه أعلم . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : والنسيان يعقب التنازع ، والمنازعة توجب التخالف ، وفيه الفساد ؛ فأمر بالكتابة لدفع ذلك ، وللوفاء بالحق ، ودفع الخصومات . واللّه أعلم . ولا يحتمل أن يفرض الكتابة ، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق ، ولمن له تركه كذلك ألا يقبضه مع ما ليست في عقد أو فسخ فيكلم فيه بوجوب واختيار ، إنما هي للحق ، فله فعل ذلك . واللّه أعلم . ثم اختلف في الكتابة : قال بعضهم : هي واجبة لازمة . واستدلوا على وجوبها بقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة ، فلو كانت في المداينة غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى ؛ فدل أنها لازمة في المداينة حيث رفع الجناح في الحاضرة منها . وأما عندنا : فهي ليست بواجبة ؛ لأنه قال عزّ وجل : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ثم أمر ، قال : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ذكر الرهن بدلا عن الكتابة ، ثم ذكر ترك الرهن بالائتمان . فإذا كان له ترك الرهن بالائتمان ، وهو بدل الكتابة - فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان ، إن كان أصله مفروضا لم يحتمل ترك بدله بالائتمان . فإذا كان ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم . واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ : فهذا لأن الكاتب مأمون عليه فيؤدى حق ما اؤتمن فيه ، لا يزيد على ما أملى عليه بالنصيحة وأداء الأمانة . وهكذا الواجب على كل محكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [ النساء : 58 ] وكقوله : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] ، وكقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] . وقوله تعالى : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ، قال بعضهم : هذا وذلك أن الكتبة كانوا في صدر الاسلام قليلا ، فنهوا عن ترك الكتابة ؛ إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها . وأما اليوم فلا بأس بالإبقاء عليها ، لم يجد من يكتب له بالأجر ؛