أبي منصور الماتريدي
275
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
التداين ، كما يسمى البائع والمشترى : المتبايعين ؛ لأن كل واحد منهما بائع في وجه ، ومشتر في وجه . فعلى ذلك المداينة والتداين . واللّه أعلم . وقوله تعالى : إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى : فالعرف في الإسلاف عند الناس : ألا يخلى عن الأجل ، فصار الأجل بالعرف شرطا في جواز السلم وإن لم يؤجل ؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حالة الإسلاف ؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف فهو إنما يسلف ليؤديه في وقت ثان ؛ لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره ، ولكنه يبيعه فيصل إلى حاجته ، ولا يتحمل المؤنة العظيمة ، فصار في العرف كأنه بأجل ، يفسد لترك بيان الأجل . واللّه أعلم . وعلى ذلك روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم » « 1 » . ثم أمر عزّ وجل بالكتابة في التداين بقوله : فَاكْتُبُوهُ ، وذلك - واللّه أعلم - لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال والآخر لم يصل ؛ فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود ؛ فأمر عزّ وجل بالكتابة ؛ احترازا عن الإنكار وجحود الحق له ؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه يرتدع عن الإنكار والجحود ؛ فهو كما ذكرنا في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ؛ لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره ؛ فكذلك إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع من الإنكار والجحود ؛ لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس ، واللّه أعلم . ولا كذلك بيع العين بالعين ؛ لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر ، فليس هنالك للإنكار معنى ؛ لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان ، وأمر في المداينات . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 282 ) ، والبخاري ( 4 / 429 ) كتاب : السلم ، باب : السلم في وزن معلوم ، الحديث ( 2240 ) ، ( 2241 ) ، ومسلم ( 3 / 1226 - 1227 ) كتاب : المساقاة ، باب : السلم ، الحديث ( 127 / 1604 ) ، وأبو داود ( 3 / 741 - 742 ) كتاب : البيوع والتجارات ، باب : في السلف ، الحديث ( 3463 ) ، والترمذي ( 3 / 602 - 603 ) كتاب : البيوع ، باب : ما جاء في السلف في الطعام والتمر ، الحديث ( 1311 ) ، والنسائي ( 7 / 290 ) كتاب : البيوع ، باب : السلف في الثمار ، وابن ماجة ( 2 / 765 ) كتاب : التجارات ، باب : السلف في كيل معلوم ، الحديث ( 2280 ) ، وابن الجارود ص ( 208 - 209 ) باب في السلم ، الحديث ( 614 ) ، ( 615 ) ، والدارمي ( 2 / 260 ) كتاب : البيوع ، باب : في السلف ، والدارقطني ( 3 / 3 ) كتاب : البيوع ، رقم ( 3 ) ، والحميدي ( 1 / 237 ) ، رقم ( 510 ) ، الطبراني في الصغير ( 1 / 212 ) ، والشافعي ( 2 / 161 ) ، رقم ( 557 ) ، والبيهقي ( 6 / 18 ) كتاب : البيوع ، باب : جواز السلف المضمون بالصفة ، وفي ( 6 / 19 ) باب السلف في الشئ ، والبغوي في شرح السنة ( 4 / 328 ) .