أبي منصور الماتريدي

271

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله تعالى : وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود . لكن بدء الآية على الاستحلال ، فعلى ذلك العود « 1 » إليه على جهة الاستحلال ، يدل عليه قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء ، وهو الاستحلال ؛ فكذلك العود إليه . وقوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ : قيل « 2 » : يَمْحَقُ اللَّهُ : يهلك . وقيل : يَمْحَقُ : يبطل . ولكن أصل « المحق » هو رفع البركة ؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها ، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقا عليهم ، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس . فأخبر اللّه تعالى : أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها ، وهو الأمر الظاهر في الناس . وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربى ويخلف أولادهم إذا تصدقوا ، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها ؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها . وهو ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه ، وإن كذبا وكتما محققت عنهما البركة » « 3 » . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الآية ظاهرة . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قيل فيه بوجهين : قيل : وَذَرُوا ما بَقِيَ من عمركم الرِّبا إذا صرتم مؤمنين . وقيل : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ، الذي تقبضون إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته . لذلك قال أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى - : إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد ، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا . والذي يدل عليه قوله تعالى : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد

--> ( 1 ) في ط : العدو . ( 2 ) قاله البغوي ( 1 / 263 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 2079 ، 2082 ) ، ومسلم ( 47 / 1532 ) .