أبي منصور الماتريدي
270
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه ، فيقول المطلوب للطالب : زدني في الأجل وأزيدك على ما لك . فيفضلان على ذلك ويعملان به . فإذا قيل لهما : هذا ربا ، قالا : هما سواء : الزيادة في البيع ، أو الزيادة عند محل البيع . فأكذبهم اللّه تعالى في ذلك وقال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ، أي : ليس هكذا : البيع كالربا . ويحتمل : فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيع لا ما هو ربا . ثم قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا : فلقائل أن يقول : إنما يحرم منه قدر الربا ، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا . لكن الأصل عندنا فيه : أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطا منه وجزءا من أجزاء كل درهم منه ، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد ، وهو ربا . وفيه وجه آخر : وهو أنه ختم الكلام على قوله : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى . ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل . ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهرا عندهم حتى حكوا ، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام ؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة . وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عزّ وجل - بقوله : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً . وقوله تعالى : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى : قيل : مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، بيان تحريم الربا . وقيل : فَمَنْ جاءَهُ نهى في القرآن مِنْ رَبِّهِ في تحريم الربا ، فَانْتَهى عن الربا . ويحتمل : الموعظة ، هي التذكير لما سبق منه ، فيتذكر فيرجع عن صنيعه . وقوله تعالى : فَلَهُ ما سَلَفَ ، قيل فيه بوجهين : قيل : ما سَلَفَ له في الجاهلية صار مغفورا له ، وهو كقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] . ويحتمل قوله تعالى : ما قَدْ سَلَفَ ، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه ، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبدا ، ويندم على كل سيئة ارتكبها ، فيجعل اللّه كل سيئة كانت منه حسنة ، وهو كقوله تعالى : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] . وقوله تعالى : وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ، في حادث الوقت أن يعصمه .