أبي منصور الماتريدي

265

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله تعالى : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ : فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة ، ومنها ما لا يكفر . وقيل : إن « من » هاهنا صلة ، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة ، كقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] . وهو نقض على المعتزلة ؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها ، ولا التعذيب على الصغائر . فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم : لا يكفر بغير التوبة ، أو في الصغائر فيبطل قولهم : إنها مغفورة ؛ إذ وعدت بالصدقة ؛ لأنهم يخلدون صاحب الكبائر في النار ، واللّه تعالى أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة . واللّه الموفق . وقوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ : فيه وعيد وتحذير ، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة . ويحتمل : تَعْمَلُونَ ، من جزائكم للصدقة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 272 إلى 274 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 ) وقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ . أخبر أنه ليس عليه هداهم ، وعليه البيان والتبليغ ؛ فدل أن هناك فضل هدى ، لا يملك هو ذلك ، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له . وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى : البيان ؛ إذ لو كان كل الهدى بيانا لكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يملك ذلك ، إذ عليه البيان ، فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية ؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق . ويحتمل قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي : حساب ترك اهتدائهم ، كقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 52 ] ، و فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [ آل عمران : 20 ] .