أبي منصور الماتريدي
264
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال غيرهم : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ هي الفريضة ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ هي التطوع . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : لا يحتمل الإخفاء في التطوع ، والإبداء في الفرض ؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير ، ولا يكون التطوع خيرا من الفريضة . ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها . ومنهم من يستحب الإخفاء أيضا ، ويقولون : في الإبداء شيئان : الصدقة نفسها ، والاقتداء ، وفي الإخفاء وجوه : أحدها : الصدقة . والآخر : ترك المراءاة وسلامتها . والثالث : الكف عن المن والأذى . ومنهم من حمل قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ على الفريضة ، و وَإِنْ تُخْفُوها على التطوع ، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء ؛ لأنه لا شئ عليه ، فسواء فيها الإبداء والإخفاء ، وأما التطوع ففيه الرياء ؛ لأنه معروف ليس عليه ، والإخفاء له أسلم . واللّه أعلم . وقال ابن عباس « 1 » - رضى اللّه تعالى عنه - في قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . . . الآية ، جعل اللّه - تعالى - صدقة « 2 » السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها . وفي بعض الأخبار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « صدقة السر تطفئ غضب الرب ، وصنائع المعروف تقى « 3 » مصارع السوء ، وصلة الرحم تزيد في العمر » « 4 » . وعن الحسن ، قال : الإبقاء على العمل أشد من العمل ؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّا فيكتب له عمل السر ، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية ، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد ، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) في أ ، ط : كلمة . ( 3 ) في أ ، ب : تدفع . ( 4 ) تقدم .