أبي منصور الماتريدي

260

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الفقير « 1 » ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [ الواقعة 63 ، 64 ] وقوله : فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [ النمل : 60 ] ، قيل : أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون ؟ وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره ؛ لذلك كان ما ذكرنا . واللّه أعلم . وفي قوله تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ، دلالة على ألا يتصدق بالردىء عن الجيد . فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الردىء إلى الجيد ، على قول محمد - رحمه اللّه تعالى - بظاهر قوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ . وعند أبي حنيفة وأبى يوسف - رضى اللّه تعالى عنهما - : يجوز ولا يختار له ذلك ؛ وذلك أن اللّه - تعالى - أطمع الناس قبول ذلك إذا تغامضوا ، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمه ولطفه ؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة ، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة . وقوله تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . قوله : يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الدنيا بالتصدق والإنفاق ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ بترك الصدقة . ويحتمل : يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ بسوء الظن بربه . وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ بالصدقة ، و وَفَضْلًا ذكرا في الدنيا . ويحتمل قوله : وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ في الآخرة ، و وَفَضْلًا في الدنيا ، يعنى خلفا . وقيل « 2 » : مَغْفِرَةً لفحشائكم ، و وَفَضْلًا لفقركم . وقوله : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي : غنى يقدر إخلاف ما أنفقتم ، عَلِيمٌ بجزاء صدقاتكم . ويحتمل : عَلِيمٌ ما تنفقون من الصدقة والحسنة . وفي قوله : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ و اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ، ونحوه [ دلالة أن اللّه - تعالى - ] « 3 » إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه ، لا حاجة وفقرا .

--> ( 1 ) في أ ، ط : الصغير . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 6168 ) . ( 3 ) في ب : ليعلموا أنه .