أبي منصور الماتريدي

259

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله : ما كَسَبْتُمْ ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب ، وليس في كتاب اللّه تعالى بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع ، وليس فيه سنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضى اللّه تعالى عنهم - القول به ؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية . وأما زكاة الفضة ، والذهب ، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة ، فالزكاة تجب فيها لعينها ، اكتسب فيها أو لم يكتسب . وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب . وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة ؛ لأنه قال : إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ، ذكر الإغماض ، والإغماض لا يذكر في المعروف ، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء ، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم . وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضراوات ؛ لأنه ذكر في الآية المخرج ، والرطاب هي التي تخرج من الأرض . وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض ؛ لذلك كان الرطاب والخضراوات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق ، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض . وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما اللّه تعالى - فإنهما قالا : يحتمل قوله : أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، يعنى من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض ، كقوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [ الأعراف : 26 ] ، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو ، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس ، وكذلك قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [ فاطر : 11 ] ، وهو لم يخلقنا من التراب ، وإنما خلق الأصل من التراب ، وهو آدم - عليه السلام - فعلى ذلك الأول . واللّه أعلم . والوجه فيه : أنه منّ اللّه تعالى علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها ، فيخرج منها النبات بلطفه ، لا صنع لأحد فيها . وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهى على أربابها ؛ لأنه أخرجه رزقا للكل ، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعا . ومن ثم جاز وجوب العشر على