أبي منصور الماتريدي
258
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الآية : فمعناه - واللّه أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش ، ثم يحرم نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية ، فكذلك لا ترضوا من أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار إلى ثوابها . واللّه أعلم . وأن يكون المعنى من ذلك أي : لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا ، وبما تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين ، كاغترار من ذكرت بجنسه في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه اللّه من عاقبته أنه يود عنه نهاية ذلك ، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك ، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع عنه ذلك بتلك الحال ؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق . ويحتمل : أن يكون ذلك مثلا لمن كفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ممن يؤمن بالبعث ، أن الذي ينال بالكفر به من الرئاسة والعز ، كالذي ذكر من صاحب الجنة أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة ؛ فكذا « 1 » ما ينبغي لهم إذ بين لهم عواقب الكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم أن يؤثروا الذي نالوا بعد علمهم بشدة تلك العاقبة . واللّه أعلم . والمثل خرج على غير ذكر الجواب فيه ؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث مبينا أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف ، أو بما أراد اللّه امتحان السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله ، وليكرم به أهل التدبر في آياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد على إشارتهم . واللّه أعلم . وجملة ذلك : أن أفعال ذوى الاختيار تكون للعواقب ، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء ، فبين لمن أغفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك ، ليكون سروره بما يحمد عاقبته . فعلى هذا الأمر : الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها . واللّه الموفق . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 267 إلى 271 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 )
--> ( 1 ) في ب : فعلى .