أبي منصور الماتريدي
254
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يظفر بها بالمن والأذى والرياء ، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان ، فصار صلدا ، لا شئ عليه من التراب . وقوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . قالت المعتزلة : لا يهدى القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا . وقلنا نحن : لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر ، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان . وفي قوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ، وجه آخر ، هو أن يحتمل قوله : مَعْرُوفٌ ، هذه التسبيحات والثناء والحمد ، و وَمَغْفِرَةٌ ، ستر ما ارتكب من المأثم . وقوله : خَيْرٌ ، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى . واللّه أعلم . وقوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . في الأمثال التي ضربها اللّه تعالى وذكرها في القرآن وجوه : أحدها : جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى واحد . والثاني : أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق ، وهي الأصول التي بها يستدل ويوصل إلى معرفة الغائب . والثالث : فيها إثبات رسالة محمد ، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات ، وذلك أن العرب كانت لا تضرب الأمثال ، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك . ثم بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وأنزل عليه القرآن « 1 » ، وذكر فيه الأمثال ؛ ليذكرهم تلك الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها بالله عزّ وجل ، لا أنه أنشأ هذا القرآن من تلقاء نفسه . وذلك من آيات نبوته ورسالته . وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء الشعر من آيات نبوته ورسالته ؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة ، ويفضلون أربابها على غيرهم ؛ لئلا يعرف هو بها ، ويقولون : إنه أخذ من الكتب ، أو اختلق من نفسه ، كقوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ
--> ( 1 ) في أ : الفرقان .