أبي منصور الماتريدي
253
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم جهة البطلان - واللّه أعلم - أن اللّه عزّ وجل وعد لمن تصدق الثواب عليها ، بقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] ، وقال : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً [ المزمل : 20 ] ، وقال في آية أخرى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . . الآية [ التوبة : 111 ] . وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له أعطاهم الثواب على ذلك ، فأخبر أن من أعطى آخر شيئا ببدل لا يمن عليه ، كالمبادلات التي تجرى بين الناس ، ألا يكون لبعض على بعض جهة المنّ ، إذا أخذ بدل ما أعطاه ، وأن يقال : إن الأموال كلها لله تعالى ، فإنما أعطى ماله ، وكل من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمدا ولا منّا . ثم اختلف في قوله تعالى : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ : قال بعضهم « 1 » : هم المنافقون ، كانوا ينفقون أموالهم رياء . دليله قوله تعالى : وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، شبه الصدقة التي فيها ( منّ ) و ( أذى ) بالصدقة التي فيها رياء . وذلك - واللّه أعلم - أن الصدقة التي فيها ( من ) و ( أذى ) لم يبتغ بها وجه اللّه ، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغى بها وجه اللّه تعالى [ وقال آخرون : كل صدقة فيها رياء فذلك ، كافرا كان منفقها أو مسلما ؛ لأنها لم يبتغ فيها وجه اللّه تعالى ] « 2 » والدار الآخرة . ثم ضرب المثل للصدقة المبتغى بها الرياء ، والصدقة التي فيها المن والأذى بالصفوان الذي عليه التراب : وهو الحجر الأملس ، فقال : كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا . قيل « 3 » : ( الوابل ) هو المطر الشديد عظيم القدر . وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس ؛ وذلك أن الصفوان الذي به ضرب المثل ، والتراب محسوس ، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب . ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس ، بل هو غائب ، فعرف الغائب بالمحسوس . فقال : لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا يبقى له أثر ،
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 6044 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 600 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في ط . ( 3 ) قاله السدى والضحاك وقتادة والربيع ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 6053 ، 6054 ، 6055 ، 6056 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 600 ) .