أبي منصور الماتريدي

248

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عامٍ : أحدهما : على قول ألقى إليه ونطق أسمع هو . والثاني : أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه ، فتأمل في ذلك أحوال نومه ، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه وقت نومه ، فقال بالذي ذكرتم لمّا تأمل شأن الحمار ، واستخبر عن الأحوال ، قالت له نفسه : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ثم أمعن نظره في حماره ، وما رأى من تغير أحواله ، وأبقاه اللّه تعالى على ما ذكر . وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه ، هي بعثه ، على التفكر في أحواله ، والنظر فيما عاين من أمر الحمار ، أو كان علم أن ذلك موت فيه ، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عاينها على ما كانت عليها . فلما تأمل شأن حماره [ و ] علم أنه رفع إلى آيات عجيبة ، فزع إلى اللّه تعالى ، فأنبأه اللّه تعالى بالذي وصف في القرآن . واللّه أعلم . ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسؤول وجهين : أحدهما : الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به ، كفعل الملائكة عند قوله تعالى : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [ البقرة : 31 ] ، بقولهم : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] ، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، ومثله أمر أصحاب الكهف . واللّه أعلم . والثاني : أن يراد بالسؤال التقرير عنده ؛ ليكون متيقظا لما يراد به من الاطلاع على الآية ، كما قال لموسى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى . . . الآية [ طه : 17 ] . وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجا في الحقيقة مخرج المحنة ، نحو ما ذكرنا في أمر الملائكة ، وأمر موسى ، عليه السلام ، فأما السؤال الذي هو في حق السؤال إنما هو في حق الاستخبار ، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال . لكن الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان . ولا قوة إلا بالله . وقوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ . قيل « 1 » : لم يأت عليه السنون ، أي : كأنه لم يأت عليه السنون . وقيل « 2 » : لَمْ يَتَسَنَّهْ ، لم يتغير ولم ينتن .

--> ( 1 ) قاله الكسائي كما في تفسير البغوي ( 1 / 245 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 5927 ) ، وعن قتادة ( 5922 ، 5923 ) ، والسدى ( 5924 ) ، والضحاك ( 5925 ) ، وقاله مجاهد ( 5931 ، 5932 ، 5933 ) ، وغيرهم ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 590 ) .