أبي منصور الماتريدي
241
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، لقول قوم حيث قالوا : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] ، وإلا لكان في الإيمان بالله إيمان بجميع ذلك . وقوله تعالى : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . يحتمل هذا وجهين : يحتمل : فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا لا انفصام لذلك العقد ولا انقطاع ، لا تقوم الحجة ببعضه « 1 » . ويحتمل : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ، بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال . ثم فيه نقض على المعتزلة ؛ لأنه أخبر عزّ وجل أن من آمن بالله فقد استمسك بكذا . والمعتزلة يقولون : صاحب الكبيرة يخلد في النار ، وهو مؤمن بالله ، فأية عروة أوهى من هذا على قولهم ؟ وأن له زوالا وانقطاعا من ثوابه الذي وعد له عزّ وجل بإيمانه وتصديقه به . وباللّه العصمة . وقوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم ، عَلِيمٌ بثوابهم . أو سَمِيعٌ ، بإيمانهم ، عَلِيمٌ ، بجزاء إيمانهم . واللّه أعلم . وقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا . قيل : الولي : الحافظ . وقيل « 2 » : الولي : الناصر ، وهو ناصر المؤمنين وحافظهم . وقيل : سمى وليّا لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره . وعلى ذلك يسمى الولي وليّا لما يلي أمور الناس . وقيل : قوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ، أي : اللّه أولى بهم إليه رجاؤهم أطعمهم ، وهو الذي يكرمهم ، وأن الطاغوت أولى بالكافرين ، كما قال : وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [ محمد : 12 ] ، أي أولى بهم . واللّه أعلم . وقوله تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ . وقوله : يُخْرِجُهُمْ ، بمعنى : أخرجهم . وجائز هذا في اللغة ( يفعل ) بمعنى ( فعل ) ، و ( فعل ) بمعنى ( يفعل ) ، جاز فيها ، غير ممتنع عنه .
--> ( 1 ) في ط : ببغضه . ( 2 ) قاله ابن جرير ( 3 / 23 ) ، والبغوي ( 1 / 241 ) .