أبي منصور الماتريدي
239
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال بعضهم : نزلت في المجوس ، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، أنه يقبل منهم الجزية ، ولا يكرهون على الإسلام . ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، ولا يقبل منهم الجزية ، فإن أسلموا وإلا قتلوا . وعلى ذلك روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه كتب إلى المنذر بن فلان « 1 » : « أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية » « 2 » . وعلى ذلك نطق به الكتاب تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] . وقال قوم : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أي : لا دين يقبل بإكراه ، بل ليس ذلك بإيمان . والثاني : أن الرُّشْدُ قد تبين من الغى ، وبين ذلك لكل أحد حتى إذا قبل الدين قبل عن بيان وظهور ، لا عن إكراه . وقال آخرون : قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، أي : لا إكراه على هذه الطاعات بعد الإسلام ؛ لأن اللّه تعالى حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين فلا يكرهون على ذلك . ومعناه : أن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة ، ورفع اللّه عزّ وجل تلك الشدائد عن هذه الأمة وخففها « 3 » عليهم ، دليله قوله تعالى : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] ، وقوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأنعام : 157 ] ، ومثل ذلك كثير ، كانت على الأمم السالفة ثقيلة وعلى هذه الأمة مخففة ، فإذا كانت مخففة عليهم لا يكرهون على ذلك . وقال آخرون : هو منسوخ بقوله عليه السلام : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على اللّه » « 4 » .
--> ( 1 ) هو : المنذر بن حرملة الطائي القحطانى ، أبو زبيد : شاعر نديم معمر ، من نصارى طيئ . عاش زمنا في الجاهلية ، وكان يزور الملوك ولا سيما ملوك العجم لعلمه بسيرهم . وأدرك الإسلام ولم يسلم . وكان يدخل مكة متنكرا . واستعمله عمر على صدقات قومه . قال البغدادي : ولم يستعمل نصرانيّا غيره . وكانت إقامته على الأكثر عند أخواله بنى تغلب بالجزيرة الفراتية . وانقطع إلى منادمة الوليد ابن عقبة أيام ولايته الكوفة ، في عهد عثمان . وكان يفد على عثمان فيقربه ويدنى مجلسه ، لاطلاعه على أخبار من أدركهم من ملوك العرب والعجم . ومات بالكوفة أو في باديتها ، في زمن معاوية وقيل : دفن على البليخ إلى جانب قبر الوليد بن عقبة . توفى نحو سنة 62 ه . ينظر : خزانة الأدب للبغدادي ( 2 / 155 ) ، والشعر والشعراء ( 101 ) ، تهذيب ابن عساكر ( 4 / 108 ) ، الأعلام ( 7 / 293 ، 294 ) . ( 2 ) انظر نصب الراية للزيلعي ( 4 / 420 ) . ( 3 ) في أ : حفظها . ( 4 ) تقدم .