أبي منصور الماتريدي

234

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كل معبود إلها ومعناه - واللّه أعلم - أن الذي يستحق العبادة ويحق أن يعبد هو اللّه الذي لا إلا إلا هو لا الذي تعبدونه أنتم من الأوثان والأصنام التي لا تنفعكم عبادتكم إياها ولا يضركم ترككم العبادة لها . ويحتمل أن يكون على الإضمار : أن قل اللّه الذي لا إله إلا هو لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويقرون بالإله ؛ كقوله عزّ وجل وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] وكقوله : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 86 ، 87 ] وكقوله : قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 88 ، 89 ] فإذا كانوا يقرون به فأخبرهم أن الذي يقرون به ويسمونه هو اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا اللّه تعالى وآمنوا به ، ولم يعرفوا نعته وصفته فعلمهم نعته وصفته أنه الحي القيوم إلى آخره . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 255 ] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) وقوله الْحَيُّ الْقَيُّومُ قيل هو الحي بذاته لا بحياة هي غيره كالخلق هم أحياء بحياة هي غيرهم حلت فيهم لا بد من الموت ، واللّه عزّ وجل يتعالى عن أن يحل فيه الموت ؛ لأنه حي بذاته وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم ، تعالى اللّه عزّ وجل عما يقول فيه الملحدون علوا كبيرا . والأصل : أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف ذلك للعظمة له والجلال والرفعة . يقال : ( فلان حي ) ، وكذلك الأرض سماها اللّه تعالى ( حية ) ، إذا اهتزت وربت وأنبتت ، لرفعتها على أعين الخلق . فعلى ذلك اللّه سبحانه وتعالى ( حي ) للعظمة . وكذلك الأرض سماها اللّه تعالى : ( حية ) للعظمة والرفعة ولكثرة ما يكون يذكر في المواطن كلها ، كما سمى الشهداء ( أحياء ) ؛ لأنهم مذكورون في الملأ من الخلق . ويحتمل : أنه يسمى ( حيّا ) لما لا يغفل عن شئ ، ولا يسهو ، ولا يذهب عنه شئ ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . وبالله العصمة . وقوله : الْقَيُّومُ ، القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم . وقيل : الْقَيُّومُ ، هو القائم على كل شئ يحفظه ويعاهده ، كما يقال : ( فلان قائم على أمر فلان ) ، يعنون أنه يتحفظ أموره حتى لا يذهب عنه شئ .