أبي منصور الماتريدي

216

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بالمتعة ندبا ، لا وجوبا ، على ما روى عن الحسن بن علي « 1 » - رضى اللّه تعالى عنهما - أنه متع بعشرة آلاف ، على ما روى عن ابن عباس وابن عمر « 2 » ، رضى اللّه تعالى عنهما ، أنهما قالا : إن كنت من المتقين ومن المحسنين فمتعها . فهو أمر ندب ، لا أمر إيجاب يجبر على ذلك . وإن كانت في المطلقة التي لم يدخل بها ولا فرض لها صداقا فهو على ما يقوله - وهي واجبة يجبر على ذلك ؛ فتخرج هذه الآية والتي قبلها ، قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ، على مخرج واحد ، غير أن في إحداهما بيان قدر المتعة ، وليس في الأخرى سوى ما ذكر . ويحتمل وجه آخر : وهو أن الأمر بالمتعة أمر بالإنفاق عليها والكسوة لها إذا دخل بها ، ما دامت في العدة . أو على الاختيار على ما ذكرنا ، لا على الإيجاب ؛ إذ لو كان على الوجوب لكان في ذلك إيجاب بدلين - الصداق والمتعة - ولم يعرف عقد من العقود أوجب بدلين ؛ فكذلك هذا . واللّه أعلم . والثاني : أن الطلاق سبب إسقاط ، لا سبب إيجاب . فإذا كان كذلك لم يجز أن يوجب السبب الذي هو سبب الإسقاط ؛ لذلك لم يجب . واللّه أعلم . وقوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . ما سبق ذكره من الأحكام من الأمر بالاعتداد ، والإنفاق عليهن ، والتمتع وغير ذلك لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، أمره ونهيه . قال الشيخ ، رحمه اللّه تعالى ، في قوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ : أي كما يبين في هذا يبين في جميع ما يعلم لكم إلى بيان ذلك حاجة على قدر ما أراد من البيان - من بيان كفاية أو مبالغة - ليعلم أن جميع ما إليه بالخلق حاجة داخل تحت البيان ، يوصل إلى ذلك بقدر ما تحتمله العقول على ما يكرم اللّه المجاهدين فيه في طلب مرضاته .

--> ( 1 ) ذكره المزي في ترجمته في التهذيب ( 2 / 147 ) وهو : الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني سبط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وريحانته . عن جده صلى اللّه عليه وسلم له ثلاثة عشر حديثا ، وأبيه وخاله هند . وعنه ابنه الحسن ، وأبو الحوراء ربيعة وأبو وائل وابن سيرين . ولد سنة ثلاث في رمضان . قال أنس : كان أشبههم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » مات رضى اللّه عنه مسموما سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها . ينظر : الخلاصة ( 1 / 216 ) ( 1361 ) . ( 2 ) أخرجه مالك وعبد الرزاق والشافعي وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي عنه بنحوه كما في الدر المنثور ( 1 / 550 ) .