أبي منصور الماتريدي
214
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : رُكْباناً على ما عرف عن الركوب ، وهو في حال السير ، ولم نر الصلاة تقوم مع المشي فيها . فإن قيل : صلاة الخوف فيها مشى ، فقامت . قيل : إن المشي ليس في فعل الصلاة ؛ لأنهم في الوقت الذي يمشون لا يفعلون فعل الصلاة ، وهو كما يقال : إن الصلاة لا تقوم مع الحدث ، فإذا أحدث فيها فذهب ليتوضأ ، ليس هو في وقت الحدث مصليا ، وإن بقي في حكم الصلاة . فعلى ذلك المشي في صلاة ، ليس هو في فعل الصلاة ، وإن كان باقيا على حكم الصلاة ؛ واللّه أعلم . وقوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ يحتمل : قوله كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وقوله فَاذْكُرُوا يحتمل : أن يصرف إلى الصلاة ، أي : صلوا كما علمكم أن تصلوا في حال الأمر . ويحتمل : أن يصرف إلى غيره من الأذكار ، كقوله تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] . ويحتمل : أن يصرف إلى الشكر ، أي : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واشكروها بي ، كقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] . واللّه أعلم . وفي قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ الفلق : 5 ] ، وقوله : عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 2 ] ، و عَلَّمَهُ الْبَيانَ ، دليل أن اللّه تعالى صنع في فعل العباد حيث أضاف التعليم إلى نفسه ، وهو أن خلق فعل التعليم منه ؛ إذ لو لم يكن منه فيه صنع لكان أضيف ذلك المعلم دون البيان ؛ فدل إضافته إليه على أن له فيه فعلا . نعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى . قال الشيخ ، رحمه اللّه تعالى ، في قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ . أي : صلوا له كما علمكم من الصلاة في حال الأمن ، إذ معلوم تقدم الأمر بالصلاة وتعليم حدودها . وَقُومُوا في الرخصة في التخفيف بحال العذر . ويحتمل : اذكروا اللّه بشكر أنما أمنكم كما علمكم من الشكر له في النعم ، وأي ذلك كان فهو الذي علمهم « 1 » بعد أن كانوا غير عالمين به . واللّه أعلم . ودل إضافة التعليم في هذه الآية « 2 » ، وكذلك في قوله : عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 4 ] ، وقوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ يس : 69 ] ، إليه على وجود الأسباب من اللّه تعالى له في الأمرين على أن كان من اللّه تعالى في أحد الأمرين ما ليس منه في الآخر ، ومعنى الأسباب فيهما واحد ؛ ثبت
--> ( 1 ) في أ : علمتم . ( 2 ) في أ : هذا إليه .