أبي منصور الماتريدي

210

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أنها هي صلاة العصر « 1 » . وقال قائلون : هي الفجر ؛ ذهبوا في ذلك إلى أن النهار يجمع الصلاتين ، والليل بطرفيه كذلك ، فالفجر أوسطها . وكذلك روى عن ابن عباس « 2 » - رضى اللّه تعالى عنه - أنه قال : هي الفجر . وقال آخرون : هي الظهر ؛ ذهبوا في ذلك إلى أنها إنما تقام وسط النهار ، فسميت بذلك . وكذلك روى عن ابن عمر « 3 » - رضى اللّه تعالى عنه - أنه قال : هي صلاة الظهر . ومن قال : هي العصر ، ذهب في ذلك إلى ما روى من الخبر ، وإلى أن العصر هي الواسطة من صلاتي النهار وصلاتي الليل ؛ لأن صلاتين بالنهار قبلها ، وصلاتين بالليل بعدها ، فهي الواسطة . والقياس : أن تكون هي المغرب ؛ لأن الظهر سميت أولى ، والعصر تكون الثانية ، فالمغرب هي الواسطة . لكن لم يقولوا به . وفيه دلالة أن الصلاة وتر ؛ لأن الشفع مما لا وسطى له . ثم جهة الخصوصية - أيها كانت ؟ فإن كانت عصرا : فهو ما ذكر أن الكفرة حملوا على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صلاة العصر « 4 » ، فلم يتهيأ لهم إقامتها ، فقالوا : احفظوا عليهم صلاة هي أكرم عليهم من أنفسهم وأموالهم . فظهر بهذا أن لها فضلا وخصوصية من عند اللّه ورسوله . وما روى في الخبر أيضا من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من فاتته العصر وتر أهله وماله » « 5 » . فإن كانت فجرا ؛ فلأن الكتاب ذكرها بقوله : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] ، ولما قيل : إن ملائكة الليل والنهار يشهدونها « 6 » ، فظهرت لها الخصوصية والفضل .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير من ( 5464 ) إلى ( 5468 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 537 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير من ( 5475 ) إلى ( 5482 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 535 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 5458 ، 5459 ، 5460 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 537 ) . ( 4 ) في أ : الظهر . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 2 / 30 ) كتاب الصلاة باب إثم من فاتته العصر ( 552 ) ، ومسلم ( 1 / 435 ) ، كتاب المساجد باب التغليظ في تفويت العصر ( 200 / 626 ) . ( 6 ) ورد في معناه حديث عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون » . أخرجه البخاري ( 1 / 221 ) كتاب مواقيت الصلاة ، باب فضل صلاة العصر ( 555 ) ، ومسلم ( 1 / 439 ) كتاب المساجد ، باب فضل صلاة الصبح والعصر ( 210 / 632 ) .