أبي منصور الماتريدي
196
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأوجب ثمّ المتعة . ثم يجئ في القياس أن يوجب في غير المفروض نصف مهر المثل إلا المتعة ؛ لأنه إذا دخل بها أوجب كل مهر المثل كما أوجب كل المفروض عند الدخول بها ، ونصف المفروض عند عدم الدخول بها ، لكن أوجب المتعة لوجهين : أحدهما : أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها ، فإذا لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها ؟ ، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك . والثاني : أنهم أوجبوا المتعة تخفيفا وتيسيرا ؛ لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها ، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها ، وليس ذلك في المتعة . واللّه أعلم . ثم قدر المتعة : يعتبر شأنه اعتبارا بقدرها ؛ لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناءها وغناء أهلها ، ومهر المثل لا يبلغ ذلك ، فكان في ذلك تفضيل المتعة على مهر المثل - وقد ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفا - ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع ؛ لذلك وجب النظر إلى قدره اعتبارا بقدرها . واللّه أعلم . وقوله : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، أو نسق على قوله : ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ، فهو على : « ما لم تفرضوا لهن فريضة » ، وعلى ذلك قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ الأحزاب : 49 ] ، وعلى هذا إجماع القول في جواز النكاح بغير تسمية . وفي ذلك دليل أن قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [ النساء : 24 ] ، هو ما يبتغى من النكاح بالمال ، لا بتسمية المال ، فيكون النكاح موجبا له ، به يوصل إلى حق الاستمتاع ، لا بالتسمية ؛ ولهذا كان لها حق حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما منع عن الملك إلا مهر به مسمى أو غير مسمى ، كقوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ المائدة : 5 ] ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ . . . الآية [ الأحزاب : 50 ] . وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية ، بل الذي أفسد في أعلى أحواله كأنه لم يكن ، وعلى ذلك اتفاق فيما يتزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك أن يجوز ؛ فيكون في ذلك أمران : أحدهما : أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط ، ففساد الشرط لا يفسد .