أبي منصور الماتريدي
179
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال قوم : يحرم . ورووا في ذلك أحاديث . وقال أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى - : لا يحرم . وذهبوا في ذلك إلى الآثار رويت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه عليه السلام سئل عن الرضاع ، فقال : « ما أنبت اللحم وأنشز العظم » « 1 » ، وفي بعضها عنه : « لا رضاع بعد حلم ، ولارضاع بعد فصال » « 2 » . وروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس « 3 » ، رضى اللّه تعالى عنهم ، أنهما قالا : لا رضاع بعد الحولين . وعن علي وابن مسعود « 4 » ، رضى اللّه تعالى عنهما ، أنهما قالا : لا رضاع بعد الفطام أو الفصال ، الشك منا . وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض الأخبار : أنه دخل على عائشة ، رضى اللّه تعالى عنها ، فرأى معها رجلا ، فرأت عائشة ، رضى اللّه تعالى عنها ، الكراهة في وجهه ، فقالت : « إنه أخي من الرضاعة أو عمى » ، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « انظرن من إخوانكن ، ما الرضاعة ؟ إنما الرضاعة من المجاعة » « 5 » .
--> - امرأة أبى حذيفة قالت : يا رسول اللّه ، إن سالما يدخل على وهو رجل ، وفي نفس أبى حذيفة منه شئ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرضعيه حتى يدخل عليك » ، وفي رواية لمالك في الموطأ قال : « أرضعيه خمس رضعات » ؛ فكان بمنزلة ولده من الرضاعة . وهذا الحديث أخذت به عائشة ، وأبى غيرها من أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذن به ، مع أن عائشة روت عنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الرضاعة من المجاعة » ، لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية : فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام ، وهذا هو إرضاع عامة الناس . وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم . وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها ، وهذا قول متوجه . وقال : رضاع الكبير تنتشر به الحرمة في حق الدخول والخلوة إذا كان قد تربى في البيت بحيث لا يحتشمون منه للحاجة ، وهو مذهب عائشة وعطاء والليث . وقال المالكية : يشترط في التحريم أن يرتضع في حولين أو بزيادة شهر أو شهرين ، وألا يفطم قبل انتهاء الحولين فطاما يستغنى فيه بالطعام عن اللبن ، فإن فطم واستغنى بالطعام عن اللبن ثم رضع في الحولين فلا يحرّم . وقال أبو حنيفة : مدة الرضاع المحرم حولان ونصف ولا يحرم بعد هذه المدة ، سواء أفطم في أثناء المدة أم لم يفطم ، واحتج بقوله تعالى : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ قال : فأثبت سبحانه الحرمة بالرضاع مطلقا عن التعرض لزمان الرضاع ، إلا أنه قام الدليل على أن زمان ما بعد الحولين والنصف ليس بمراد ؛ فيعمل بإطلاقه فيما وراءه . واستدلوا بقوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً أي : ومدة كل منهما ثلاثون شهرا . ينظر : بدائع الصنائع ( 4 / 6 ) ، وابن عابدين ( 2 / 403 ) ، والمغنى ( 7 / 542 ) ، وكشاف القناع ( 5 / 445 ) ، ونهاية المحتاج ( 7 / 166 ، 175 ) . ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 432 ) ، وأبو داود ( 1 / 627 ) ، كتاب النكاح باب في رضاعة الكبير ( 2059 ، 2060 ) ، والبيهقي ( 7 / 461 ) . ( 2 ) أخرجه الطيالسي ، والبيهقي وعبد الرزاق وابن عدي من طرق عن جابر كما في الدر المنثور ( 1 / 513 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 4965 ، 4966 ، 4967 ) ، وأخرجه عنه وعن ابن عمر ( 4959 ، 4960 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 4961 ، 4964 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 513 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 9 / 146 ) كتاب : النكاح ، باب : من قال : لا رضاع بعد حولين ، حديث -