أبي منصور الماتريدي
174
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وفي قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، تخويف وتحذير ، ليعلموا أن كل شئ في علمه ، وأنه لا يعزب عنه شئ في علمه . وبالله العصمة . وقوله : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ . اختلف في تأويله : قال قائلون : فيه دليل فساد النكاح دون الأولياء ، واحتجوا بأن قالوا : قال اللّه تعالى : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ، ولا ينهى عن القول من غير أن يعمل ، إذ القول فيما لا يعمل غير ضار لعضلها به ؛ فثبت أنه عامل ، وأن له فيه حقّا إلى أن نهوا ، ثبت أن قوله : « لا تعضل » ، منع ؛ إذ لو لم يجعل منعا لم يكن ضارّا به . وقال آخرون : فيه دليل جواز نكاحهن دون الأولياء ؛ لأنه تعالى قال : أَنْ يَنْكِحْنَ ، واستدلوا : بأن النكاح على وجود العضل يجوز ، ولو كان العضل سبب المنع في الجواز لم يحتمل جوازه إذا فات . وفيه أن العضل إذا لم يكن ، جاز للنساء تولى النكاح . واحتجوا أيضا بما أضاف النكاح إليهن بقوله : أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ ، وقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [ البقرة : 240 ] ، وأضاف الإنكاح إلى الأولياء على إرادة إدخال الصغار ، والثاني على وجوب الحق لهن عليهم ، لا أن يجب لهم عليهن . ثم الأصل : بأن كل نكاح أريد بالذكر الصغار وأضيف الإنكاح إلى الأولياء ؛ كقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [ النور : 32 ] ، وقوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [ البقرة : 221 ] ، وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [ البقرة : 221 ] ، مع ما احتمل دخول البالغين في هذا ، دليله قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ، والفدية لا تصح « 1 » من الصغار ، وقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ، والصغار لا يخاطبن بإقامة حدود اللّه ، وقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وإن كان متأخرا في الذكر . بهذا قيل إن وقوع الإنكاح بالإضافة في الصغار إلى الأولياء ، وفي الكبار إليهن ، ثم ذكر الكفاءة والمهر ، وجرى إضافته إلى الأولياء ، لذلك كان لهم التعرض في فسخه . ثم قوله : إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ رجع ذلك إلى المهر ؛ لأن ( التراضي ) فعل
--> ( 1 ) في ب : تصلح .