أبي منصور الماتريدي
173
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يوحى إليه كما يتوهم الرجل شيئا فيجعله كلاما . وقوله : وَالْحِكْمَةِ ، اختلف فيه : قيل : وَالْحِكْمَةِ ، الفقه . وقيل : وَالْحِكْمَةِ ، الحلال والحرام . وقيل : وَالْحِكْمَةِ ، المواعظ . وقيل : وَالْحِكْمَةِ ، هي الإصابة : إصابة موضع كل شئ منه . وقيل : الْحِكْمَةِ ، القرآن ، وهو من الإحكام والإتقان ، كأنه قال - عزّ وجل - : « اذكروا ما أعطاكم من الفقه والإصابة والكتاب المحكم والمتقن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه » . وقوله : يَعِظُكُمْ بِهِ ، يعنى بالقرآن .
--> - فأخبر أن رجلا قدم عليهم فأظهر لهم مذهبا من الدين ، وأعلمهم أن اللّه عزّ وجل قد افترض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة ، وقد اشتغلوا بها فوجه إليه فجىء به فسأله عن أمره ، فأخبره بقصته ، فحبسه في بيت ، وحلف بقتله ، وأقفل عليه ، وترك المفتاح تحت وسادته ، ونام ، فرقت له جارية ، فأخذت المفتاح ، وفتحت وأخرجته ، ثم أعادت المفتاح إلى موضعه ، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ، فلم يجده فشاع ذلك الخبر ، فعبر به أهل تلك الناحية وقالوا : قد رفع . ثم ظهر في موضع آخر ولقى جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته ، فقال : ليس يمكن أحدا أن يؤذيني . ثم خاف على نفسه ، وخرج إلى الشام ، وتسمى باسم الرجل الذي كان في منزله كرميته ، ثم خفف فقيل : قرمط ، وفشا أمره وأمر أصحابه ، وكان قد لقى صاحب الزنج فقال له : أنا على مذهب ورائي مائة ألف سيف ، فناظرنى ، فإن اتفقنا ملت بمن معي إليك ، وإن تكن الأخرى انصرفت ، فناظره فاختلفا ففارقه . السادس : أنهم لقبوا بهذا نسبة إلى رجل من دعاتهم يقال له : حمدان بن قرمط ، وكان حمدان هذا من أهل الكوفة يميل إلى الزهد ، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق ، وهو متوجه إلى قرية وبين يديه بقر يسوقها ، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه : أين تقصد ؟ فسمى قرية حمدان ، فقال له : اركب بقرة من هذه البقر لتستريح من المشي . فقال : إني لم أؤمر بذلك : قال كأنك لا تعمل إلا بأمر ؟ قال : نعم ! فقال حمدان : وبأمر من تعمل ؟ قال : بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة ، فقال : ذلك اللّه عزّ وجل ، قال : صدقت قال : وما غرضك في هذه البقعة ؟ قال : أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الشقاوة إلى السعادة ، وأستنقذهم من ورطات الذل والفقر ، وأملكهم ما لا يستغنون به من التعب والكد ، فقال له حمدان : أنقذنى أنقذك اللّه ، وأفض على من العلم ما تحييني به ، فما أشد حاجتي إلى ذلك ، فقال : ما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به ، والعهد إليه ، فقال له : فاذكر عهدك ، فإني ملتزم به . فقال : أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد اللّه وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا تفشى سرى أيضا . فالتزم حمدان عهده ، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهل ، حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في جميع ما دعاه إليه ، ثم انتدب للدعوة ، وصار أصلا من أصول هذه البدعة فسمى أتباعه القرمطية .