أبي منصور الماتريدي
165
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فإن قيل : أيش الحكمة في ذكر ( المعروف ) في الإمساك ، و ( الإحسان ) في التسريح . قيل : وذلك أن في ( التسريح ) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح ، فأمر عند قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا ، والإحسان أبدا إنما يكون عند ابتداء الفعل ، لا عند المكافأة . وأما ( المعروف ) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك ؛ كقوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً . قيل « 1 » : « الميثاق الغليظ » : الحقوق التي أوجب النكاح . وهذا - واللّه أعلم - وجه الحكمة ، و ( المعروف ) ما عرفا في النكاح ، و ( الإحسان ) هو ما يبتدئ مما لم يعرفا . وقوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج ، ثم آخرها يوجب الخطاب لهما جميعا ، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ عليهما حدود الصحبة ، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار ( فهما الحكمين ) ، فيكون كقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها فيكونان هما اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود . ويحتمل : أن يكون الخطاب في قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ للحكام ؛ لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود اللّه . ثم القول عندنا في قوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إذا كان النشوز واقعا من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شئ على الخلع استدلالا بقوله : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [ النساء : 20 ] . وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر المهر ، ويكره الزيادة [ وتجوز ] « 2 » . أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها استدلالا بقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ، ذكر رفع الحرج عن الذي فدى فيما عنه نهى في غير هذا وهو المؤتمن ؛ لذلك قلنا : إنه يجوز إذا كان النشوز من قبلها قدر المهر . وأما الزيادة فإنها تكره استدلالا بما روى في الخبر : أن امرأة أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت بغض زوجها ، فقال : « أتردين عليه حديقته ؟ » فقالت : نعم ، وزيادة . فقال : « أما الزيادة
--> ( 1 ) يأتي . ( 2 ) سقط في ط .