أبي منصور الماتريدي
158
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الطلاق بعيد . وأما اللسان فهو قول الناس : قرأ الماء في حوضه « 1 » ، وقرأ الطعام في شدقه ، أي : حبس ، والطهر بسبب حبس الدم . لكن عندنا : الطهر جبلة وأصل ، وعليها خلقت وأنشئت ، والحيض عارض ، فإذا كان في الرحم دم خرج ، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهرا ؛ لأن الطهر يحبس الدم ، فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان . وأما المناقضة [ ف ] هي أن يقول : جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم تغتسل في إبقاء حق الرجعة . فأما دعوى المناقضة فهي بعيدة ؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على حكم الأذى ؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب . وقال : ذكر اللّه تعالى : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ باسم التذكير ، لا باسم التأنيث ؛ فدل أنه أراد الأطهار ، يقال : ثلاثة رجال ، وثلاث نسوة ، فإذا أدخل فيه ( الهاء ) عقل أنه أراد الطهر . قيل : إن اللغة لا تمنع « 2 » عن تسمية شئ واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح ، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على جعل ذلك طهرا . وقال : القرء : هو الانتقال من حال إلى حال ؛ يقال : أقرأ النجم : إذا غاب ، وأقرأ : إذا طلع ، ونحوه . لكن هذا ليس بشيء ؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان يقال للنجم إذا طلع : أقرأ ؛ فيكون الاسم للظهور ، لا للغيبوبة ، أو لهما جميعا ؛ فلا دلالة في ذلك . وأما الأصل عندنا : فقوله عزّ وجل : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن . والبلوغ : اسم للتمام . ثم لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند انتهائه . فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهى إليه ليقطع عليه الحكم ، وإن كان على الإشراف عليه أيضا كذلك ، ثم لو حمل على الانتهاء أيضا يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك ؛ فحمل على ما يعرف ، لا على ما لا يعرف - واللّه أعلم فثبت أنه الحيض ؛ لأن لها الغاية . والثاني : قوله تعالى : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [ الطلاق : 4 ] ، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل ، ولم يعرف ذكر الأبدال في
--> ( 1 ) في ب : جوفه . ( 2 ) في أ : تمتنع .