أبي منصور الماتريدي

143

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وله وجه آخر : وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقى العقد ، فلم يصح به اليمين ؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين ، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها . فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد ، لم يلزم الكفارة ؛ لخروجها عن الشرط . ثم لم يزل عنه - في الغموس - الإثم ؛ لتعمده الكذب . وقال الفقيه أبو منصور - رحمه اللّه تعالى - : والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر ؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان جعلت للتعظيم لله - تعالى - بالحلف فيها ، والحالف بالغموس مجترئ على اللّه - تعالى - مستخف به ؛ ولهذا نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحلف بالآباء والطواغيت « 1 » ؛ لأن في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا . فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف ، فالوزر له بالجرأة لازم ، ثم المعتمد مجترئ مستخف بالله - تعالى - على المعرفة ؛ لأنه لا يسع ، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف ، وإن كان سببا للتعظيم ، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك ، كذا الأول ، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته ، لا للقصد إليه . وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - في سؤال السائل : إن العاصي مطيع للشيطان ، ومن أطاع الشيطان كفر ، كيف لا كفّر العاصي ؟ فقال : لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له ، لا أن القصد يكون طاعته ، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية ؛ فكذا الأول . واللّه أعلم . وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن « أحدكما كاذب فهل منكما من تائب » ، ففيه وجهان :

--> - المودع المخبر ، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف ، ويورّى في يمينه ، فإن حلف ولم يور حنث على الأصل ، وقيل : لا يحنث . ( ج ) وقال موفق الدين بن قدامة : من الأيمان ما هي واجبة ، وهي التي ينجّى بها إنسانا معصوما من هلكة ، كما روى عن سويد بن حنظلة قال : خرجنا نريد النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر ، فأخذه عدو له ، فتحرج القوم أن يحلفوا ، فحلفت أنا : إنه أخي ، فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « صدقت ، المسلم أخو المسلم » فهذا ومثله واجب ؛ لأن إنجاء المعصوم واجب ، وقد تعين في اليمين فيجب ، وكذلك إنجاء نفسه ، مثل : أن تتوجه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو برئ . ينظر : الشرح الصغير بحاشية الصاوي ( 1 / 450 - 451 ) ، الأذكار للنووي ص ( 336 ، 337 ) ، المغنى على الشرح الكبير ( 11 / 166 - 167 ) ، فتح القدير ( 4 / 3 ) ، أسنى المطالب ( 4 / 240 - 241 ) . ( 1 ) في الباب عن عبد الرحمن بن سمرة . أخرجه مسلم ( 3 / 1268 ) كتاب الأيمان ، باب من حلف باللات والعزى ( 6 / 1648 ) ، وأحمد ( 5 / 62 ) ، والنسائي ( 7 / 7 ) كتاب الأيمان ، باب الحلف بالطواغيت .