أبي منصور الماتريدي
138
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . يعنى : على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع ، ولا بأس بالاعتزال عنها إذا أذنت ؛ لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل ، لا قضاء الشهوة . فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية الولد ، وأما الزوج فإنما عليه المؤنة ، وذلك مما ضمن اللّه لكل ذي روح بقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها [ هود : 6 ] ؛ لذلك نهى هو عن الاعتزال « 1 » دون إذنها ، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك . واللّه أعلم .
--> - فأما المرفوع فأخرجه ابن عدي ، وأما الموقوف : فأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي كما في الدر المنثور ( 1 / 472 ) ، والموقوف أصح قاله ابن كثير . ( 1 ) العزل عن الزوجة والأمة : هو أن يجامع الرجل حليلته ، فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج ، وسبب ذلك إما العزوف عن علوق المرأة وتكوين حمل في رحمها ، وإما أسباب صحية تعود إلى المرأة أو إلى الجنين أو إلى الطفل الرضيع . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز عزل السيد عن أمته مطلقا سواء أذنت بذلك أو لم تأذن ؛ لأن الوطء حقه لا غير ، وكذا إنجاب الولد وليس ذلك حقا لها . واختلف الفقهاء في الزوجة الحرة على رأيين : الرأي الأول : الإباحة مطلقا أذنت الزوجة أو لم تأذن ، إلا أن تركه أفضل وهو الراجح عند الشافعية ؛ وذلك لأن حقها الاستمتاع دون الإنزال ، إلا أنه يستحب استئذانها . الرأي الثاني : الإباحة بشرط إذنها ، فإن كان لغير حاجة كره ، وهو قول عمر وعلى وابن عمر وابن مسعود ومالك ، وهو الرأي الثاني للشافعية ، وبه قال الحنفية ، إلا أنهم استثنوا ما إذا فسد الزمان فأباحوه دون إذنها . واستدل القائلون بالإباحة المطلقة بما روى عن جابر - رضى اللّه عنه - قال : « كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن ينزل » ، وفي رواية مسلم ، « كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم ينهانا » . واستدل القائلون بالإباحة بشرط الاستئذان بما روى الإمام أحمد في مسنده ، وابن ماجة عن عمر ابن الخطاب - رضى اللّه تعالى عنه - أنه قال : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها » ، وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال : « نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها » وأما أدلة الكراهة : إن كان العزل بدون عذر ؛ فلأنه وسيلة لتقليل النسل ، وقطع اللذة عن الموطوءة ؛ إذ قد حث النبي صلى اللّه عليه وسلم على تعاطى أسباب الولد فقال : « تناكحوا تكثروا » ، وقال : « تزوجوا الودود الولود ؛ فإني مكاثر بكم الأمم » . والعذر في العزل يتحقق في الأمور التالية : - إذا كانت الموطوءة في دار الحرب وتخشى على الولد الكفر . - إذا كانت أمة ويخشى الزوج الرق على ولده . - إذا كانت المرأة يمرضها الحمل أو يزيد في مرضها . - إذا خشي على الرضيع من الضعف . - إذا فسد الزمان وخشي فساد ذريته . ينظر : بلغة السالك ( 2 / 282 ) ، مغنى المحتاج ( 2 / 393 ) ، المبدع ( 5 / 337 ) ، ابن عابدين ( 3 / 176 ) ، المغنى بأعلى الشرح الكبير ( 8 / 134 ) .