أبي منصور الماتريدي

13

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

رضاءهما جميعا ، والله أعلم . وقوله : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . لما ذكر من إباحة العفو في حكم القرآن ، ولم يكن في حكم غيره من الكتب ، وأخذ الدية أو القتل ، ولم يكن في حكم التوراة والإنجيل إلا واحد . ويحتمل : أن كان في التوراة هذا أو هذا كما قال : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ . واحتمل أنه ذكر القود شرعا لنا ، وقوله : فَمَنْ تَصَدَّقَ ، لنا خاصة . وقوله : وَرَحْمَةٌ . فيه دلالة ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة الله ؛ لأنه أخبر أن التخفيف رحمته في الدنيا ، فإذا لم يوفهم « 1 » في الدنيا من رحمته فلا يوفيهم في الآخرة منها . وفي قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، دلالة ألا يزول اسم الإيمان بارتكاب الكبيرة ؛ لأنه سماه أخا من غير أخوة نسب ؛ دل أنه أخوة في الدين [ لأنه سماه أخا ] « 2 » . وكذلك قوله : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [ الحجرات : 9 ] أبقى لهم اسم الإيمان بعد البغى والقتل . دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان . وهذا يرد على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن من ارتكب كبيرة أخرجته من الإيمان ، وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين : أحدهما لاستحلال قتله ، أو يتغمد ديته « 3 » ، وإلا فيخرج الآيتان على التناقض في الظاهر لو لم يجعل على ما ذكرنا . والله أعلم . وقوله : فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ . قيل : من اعتدى على القاتل بعد ما عفى عنه ، أو بعد ما أخذ الدية . وقيل : بَعْدَ ذلِكَ ، أي : من بعد النهى عن قتله . وقيل « 4 » : إذا أرى من نفسه العفو ، ثم أخذ الدية ، ثم أراد قتله ، فهو الاعتداء . ثم اختلف بعد هذا بوجهين : قال قوم : إذا فعل ذلك يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة : [ وقال

--> ( 1 ) في أ ، ط : يواسيهم . ( 2 ) سقط في أ ، ط . ( 3 ) في أ : بتعمد ديته . ( 4 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 2610 ، 2611 ) ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 1 / 317 ) .