أبي منصور الماتريدي

123

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فدخلت كل كتابية - حرة كانت أو أمة - [ تحت الاستثناء ] « 1 » ؛ لأن الاستثناء إذا كان عن جملة الأديان سوى دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدين دون بعض ، والذي يدل عليه قوله تعالى : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ، فجعل الأمة المؤمنة خيرا بالنكاح من المشركة ، ومن قوله إنه بالقدرة على طول الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة . فبان أن موقع الآية ليس على التناسخ على ما يقوله على أن الإماء يدخلن تحت قوله عزّ وجل : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ، دليله قوله تعالى : فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ النساء : 25 ] . فثبت أنهن قد يتعففن فيستوجبن اسم الإحصان ، وقد جعل شرط الحل هو ذكر الإحصان . وقوله أيضا : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [ النور : 33 ] ، وقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 24 ] ، مستثنيا الإماء من جملة المحصنات ؛ دل أنهن دخلن في الخطاب . وقد أجمع على أنهن تحل لنا بالسبى ، وكل مذكور في الكتاب يستوى الحل فيه إلا من جهة العدو . فإذا أبيح لنا تزويج المسبيات منهن كالحرائر ، ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح . فبطل قول من أبطل نكاح الإماء ؛ إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال . وبالله التوفيق . ثم الآية تضمنت أحكاما : منها : أن من قول أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى أجمعين - : أن المناهى بحيث النهى لا توجب الحرمة . والثاني : أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض ومخرج الخطابين واحد . والثالث : أن في الآية ذكر المنع ، لعلة وهي الدعوة إلى النار ، فكيف لم يلزم حفظ ما لأجله وجب الحرمة على وجوده ؟ وهذا هو الأصل : أن تحفظ الأحكام المعللة « 2 » بالعلل ما دامت توجد العلل . والرابع : البيان في تولى النكاح ؛ إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا . وأما قولنا في النهى : فإن النهى يوجب الانتهاء ، ولكن لا يوجب الحرمة إلا بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهى ، لما رأينا من المناهى كثيرة لم توجب الحرمة ، فلو كان

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : المعلقة .