أبي منصور الماتريدي

113

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والنفس ، ] لا كراهة الاختيار . ولا يكون في كراهة الطباع خطاب ؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو ، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار ؛ لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤمرون بالقتال والمجاهدة مع العدو ثم هم يكرهون عما أمروا اختيارا منهم ؛ لأن ذلك دأب أهل النار ، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد والمشقة وكراهيته . وقوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ . يحتمل هذا في القتال خاصة ، وهو أن يكونوا كرهوا القتال ؛ لما فيه من المشقة والشدة ، وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال الثواب والدرجات في الآخرة . وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً يعنى التعود على الجهاد ، وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ، لما فيه من اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة . ويحتمل هذا في كل أمر يحب [ الرجل ] في الابتداء ويكون عاقبته شرّا له ، ويكره أمرا فيكون عاقبته خيرا له . هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها ؛ ليعلم أن ليس إلينا من التدبير في شئ . واللّه أعلم . وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، [ أي : ويعلم ] « 1 » ما هو خير لكم في العواقب مما هو شر لكم ، « وأنتم لا تعلمون » . وقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ . معناه - واللّه أعلم - : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والكفر به ، وإخراج أهله منه ، لكن إذ فعلوا ذلك ، لم يكن القتال بجنبه كبيرا ، بل الكفر فيه أكبر من القتل . فكأنه - واللّه أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر ، ثم جعل الكفر أكبر من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه . ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند البلوى بما بين . والقتال بنفسه كبير ؛ لأن فيه تفانى الخلق ، ولم يخلقوا للفناء . ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين : أحدهما : أنه ذكر القتل ، وجعل الكفر أكبر منه ، ولو أوجب القتل التخليد ، ما أوجب الكفر ، لكان فيه التساوي ، ولا يكون الكفر أكبر من القتل فبان أن الكبيرة لا توجب

--> ( 1 ) سقط في أ .