أبي منصور الماتريدي
108
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] ، يعنى : أصنافا . ثم خص اللّه تعالى صنفا ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها من الأصناف تفضيلا « 1 » لهم وإكراما ، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم مؤمنون ؛ لأن الأرض لا تخلو من ولى أو نبي ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجاتهم . وهو قول الحسن . وكذلك قول أبي حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ولى . واللّه أعلم . وقوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ، لمن أطاعه ، وَمُنْذِرِينَ ، لمن عصاه . وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة « 2 » عن الوقوع بما به يقعان مختلف ؛ كقوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] ، وقوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] . وقوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ يحتمل قوله : لِيَحْكُمَ ، وجهين : يحتمل : لِيَحْكُمَ ، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم ، وهو كقوله تعالى : وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [ الأحقاف : 12 ] . وقرأ بعضهم « 3 » : لِيَحْكُمَ ، بالياء ، وقرأ آخرون : « لتحكم » ، بالتاء . فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر . ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر ؛ فكذلك في هذا : ليحكم الكتاب بينهم بالحق ، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق . وقوله : فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يحتمل قوله : فِيهِ وجوها : يحتمل : فِيهِ ، في محمد صلى اللّه عليه وسلم . ويحتمل : فِيهِ ، في دينه . ويحتمل : فِيهِ ، في كتابه . وقوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
--> ( 1 ) في أ : تفضلا . ( 2 ) زاد في ب : له ( 3 ) ينظر : اللباب ( 3 / 505 ، 506 ) ، والدر المصون ( 1 / 519 ) ، والمحرر الوجيز ( 1 / 286 ) .