أبي منصور الماتريدي
103
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح ؛ كقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما . . . [ الحجرات : 9 ] إلى آخر الآية . فإن قيل : كيف أمر بالدخول ، وهم فيه ؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ؟ قيل : بوجوه : أحدها : أنه يحتمل قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم ، آمنوا بقلوبكم . ويحتمل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ببعض الرسل من نحو عيسى ، وموسى ، وغيرهم من الأنبياء ، آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه . وقيل : إنه تعالى إنما أمرهم [ بالدخول ] « 1 » فيه ؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت ، لأنه فعل ، والأفعال تنقضى ولا تبقى ، كأنه قال : يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات ، آمنوا في حادث الأوقات . وعلى هذا يخرج تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] . وقوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم . وقوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ . أي : ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق . وقوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قيل : عَزِيزٌ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور . ويحتمل : عَزِيزٌ ، أي غنى عن طاعتكم له وعبادتكم إياه . وقيل : عَزِيزٌ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب ؛ لأن العزيز نقيض الذليل . وقيل : عَزِيزٌ ، لا يقدر أحد أن يصل إليه ، أو يقهره إلا ذل « 2 » بنفسه ، كما يقال : عزيز لا يرام . وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
--> - ص ( 181 ) ، والعنوان ص ( 73 ) ، وشرح الطيبة ( 4 / 95 ، 96 ) . ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ط : الإذلال .