أبي منصور الماتريدي
101
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ . قيل فيه بوجوه : قيل : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ ، أي يقتل النساء ، وهن حرث ، كقوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] ، وفي إهلاك النساء إهلاك [ النسل ] « 1 » . وقيل « 2 » : أراد بالحرث : الحرث نفسه - وهو الزرع ، والنسل والدواب - يحرق الحرث ، ويعقر الدواب وكل حيوان . وقيل « 3 » : إنهم كانوا يسعون بالفساد ويعملون بالمعاصي ، فيمسك اللّه تعالى عنهم المطر ، فيهلك كل شئ من الناس وغيرهم . ويحتمل « 4 » : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ ، قتل ولد آدم ، وفي إهلاكهم إهلاك كل حرث ؛ لأنهم هم الذين يحرثون ويتناسلون . واللّه أعلم . وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ، ظاهر . وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ . قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ . عن صنيعك ، وهو السعي في الأرض بالفساد ، حملته الحمية على الإثم تكبرا منه . قال اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ، يقول - واللّه أعلم - : أعرض عنه ، واتركه وصنيعه ، فإن جهنم مصيره ومأواه . وروى عن عبد اللّه بن مسعود ، رضى اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « إن أبغض الناس من يقال له : اتق اللّه ، فيقول : عليك نفسك » « 5 » . وقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ . يحتمل : يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ أي يهلك نفسه ، أي يبيع نفسه في عبادة اللّه تعالى وطاعته . فذلك شراؤه إياها . ويحتمل : يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ أي يبذل نفسه للجهاد في سبيل اللّه ، وهو كقوله :
--> - ( 1 / 428 ) . ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 1 / 429 ) . ( 3 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3985 ) ، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 1 / 429 ) . ( 4 ) قاله ابن جريج ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3986 ) . ( 5 ) أخرجه وكيع وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب كما في الدر المنثور ( 1 / 430 ) .