أبي منصور الماتريدي

98

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

معلومة من الدين بالضرورة لا يسع مسلما إنكارها أو التشكيك فيها ، « فلم يكن الاختلاف في وحدانية الله تعالى وشهادة أن محمدا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولا في أن القرآن نزل من عند الله القدير ، وأنه معجزة النبي الكبرى ، ولا في أنه يروى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلا بعد جيل ، ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم ، ولا في طريق أداء هذه التكليفات ، وإنما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا الأصول العامة » « 1 » . وغني عن البيان أن شيئا من الخلاف بين المسلمين لم يقع إبان عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « فقد كان المسلمون على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه ، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا » « 2 » . ولا غرابة في ذلك ؛ إذ كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوضح للصحابة ما تشابه عليهم من مسائل الدين ، ويجيب عما يطرح عليه من أسئلة جوابا يلقي في ضمير السائل برد اليقين ويقطع من نفسه وعقله دواعي الحيرة والاضطراب . ويوشك الإجماع أن ينعقد على أن أول خلاف حقيقي واجه الجماعة الإسلامية ظهر بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وهو خلافهم حول الإمامة ، حيث سارع الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة للنظر في أمر الإمامة وتعيين من يخلف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولما يوار التراب بعد جسده الطاهر ، وأذعنت الأنصار إلى البيعة لسعد بن عبادة سيد الخزرج غير مدافع ، ولم يرتب الأنصار في أن الإمامة حق لهم ، ولا ينبغي أن تخرج عنهم إلى إخوانهم المهاجرين ، ولم يعدموا من الأدلة الواضحة والبراهين المفحمة - في نظرهم - ما يسوقونه بين يدي رأيهم ذاك ، « فإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لبث في قومه في مكة نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ، فما آمن منهم إلا قليل ، ولا منعوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الأذى ولا أعزوا الدين ، فلما هاجر من مكة إلى المدينة نصره الأنصار وآمنوا به وأعزوا دينه ومنعوه وصحبه ممن أراد بهم سوءا وكانوا معه على عدوه حتى خضعت له جزيرة العرب ، وتوفي صلى اللّه عليه وسلم وهو عنهم راض ، وبهم قرير العين ، فهم أولى الناس أن يخلفوه » « 3 » . بيد أن « نظرية الأنصار » تلك وجدت إنكارا ومعارضة من المهاجرين ؛ إذ لم يكد خبر السقيفة ينتهي إلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى قصدا نحو مجتمع الأنصار في

--> ( 1 ) الإمام محمد أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلامية ، ص 11 . ( 2 ) أبو منصور عبد القاهر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، دار التراث ، القاهرة ، ص 35 . ( 3 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، الهيئة العامة للكتاب ، ص 401 .