أبي منصور الماتريدي

66

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال : « لما وجد - أي الشافعي - الخلاف والنزاع مستمرا بين فقهاء الحجاز وفقهاء العراق ، أو بين أهل الحديث وأهل الرأي ، ووجد أن أهل الرأي على جانب من قوة البحث والنظر ، وأنهم أصحاب حجاج ولسن ، وأهل جدال وشغب ، وأنهم قد أسرفوا في الطعن على أهل الحديث وأئمتهم ، والحط من قدرهم وقيمتهم ، والرد على رأيهم ومذهبهم ، ووجد كذلك أن جمهرة المحدثين ، وبخاصة من كان موجودا في العراق منهم على شيء غير يسير من الخمول والكسل ، وضعف البحث والنظر ، وفساد الاستدلال والجدل ، وأنهم غير قادرين - القدرة التامة - على الانتصار لمذاهبهم والدفاع عن آرائهم ، والرد على خصومهم ، والصمود في وجوههم ؛ بسبب عدم الإدراك الصحيح لمباحث أصول الفقه ، وسوء التمييز بين الناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، وما إلى ذلك من المباحث . لما وجد الأمر كذلك وأدرك حقيقة ما هنالك . . وضع مؤلفا جامعا في أصول الفقه ، يعين على فهم حقائقه ، وإدراك دقائقه ، ويكوّن القدرة على الاستدلال بأدلة الشرع ، وبيان كيفية إثباتها » « 1 » . وقد تتابع العلماء بعد الشافعي في تدوين مسائل هذا العلم ، من هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل الذي ألف كتاب « الناسخ والمنسوخ » . 6 - تدوين علم النحو واللغة : كان لاتساع الفتوحات الإسلامية ، ودخول الكثير من العجم في الإسلام ، واختلاطهم بالعرب - الأثر البالغ على الملكة اللسانية العربية ، فبدأ اللحن يتسرب إلى اللسان العربي ، فخاف العلماء أن يتعرض القرآن الكريم للتحريف أو ينغلق فهمه على الناس ، ومن ثم بادروا إلى وضع القواعد الضابطة للسان العربي من الانحراف وهو ما اصطلح على تسميته ب « علم النحو » . وقيل : إن أبا الأسود الدؤلي هو أول من اشتغل بعلم النحو . وقيل : إنه تعلم أصوله عن الإمام علي « 2 » ، وأن سبب التفكير في وضعه هو تسرب اللحن إلى القرآن الكريم ، ومن ثم ، وضع علم النحو . وكانت مدرسة البصرة هي أولى المدارس النحوية نشأة وأسبقها ظهورا ، تلتها مدرسة

--> ( 1 ) ينظر : مقدمة ابن خلدون ص ( 397 ) وما بعدها . ( 2 ) ينظر : مقدمة ابن خلدون ص ( 502 ) ، والفهرست لابن النديم ( ص 60 ، 61 ) .