أبي منصور الماتريدي
614
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا . . . الآية [ الأنعام : 136 ] ، يسفههم بما عبدوا ما قد صنعوه بالصناعة أو النحت ، وزينوا بأنواع الزينة ، وعلموا أنه لا يملك شيئا ، وأعرضوا بذلك عن عبادة من عرفوه بشهادة جميع العالم به [ لهم وعلموا أنه لا يملك شيئا مما عبدوه ضرّا ولا نفعا ] « 1 » ، بل لو كان يجوز العبادة لغير الله لكان أولئك الذين اتخذوا أولى من المتخذين . ثم بين عظم سفههم : علمهم بجهلها بعبادتهم ، وعجزها عن الدفع عنها ، ثم قاموا بنصرها والدفع عنها سفها بغير علم . وقوله : يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ . قيل « 2 » : يحبون عبادة الأنداد وطاعتهم [ كحبهم عبادة ] « 3 » الله وطاعته ؛ لأنهم يقولون : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، ويقولون : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] . وقيل : يحبون عبادة الأنداد كحب المؤمنين عبادة ربهم . وقيل « 4 » : يحبون آلهتهم كما يحب الذين آمنوا ربهم . ثم قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ منهم لآلهتهم . قيل : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أي : أشد حبّا لأجل الله . وقيل : أي أشد اختيارا لطاعته ، وأكثر ائتمارا وإعظاما وإجلالا لأمره من إعظامهم وإجلالهم آلهتهم . والله أعلم . وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أي لعبادته منهم لعبادة الأوثان من حيث لا يؤثر المؤمن على عبادة الله ، أعنى في الاختيار لا فيما يوجد من ظاهر الأحوال في الدارين جميعا ، وهم يتركون عبادة الأوثان بوجود ما هو أعجب منها أو بأدنى شئ من متاع الدنيا . ثم المحبة - محبة الشهوة والميل إليها ، وهو في الخلق ، لا يحتمل في الله ، ومحبته - الطاعة وإيثار الأمر والإعظام ، فهو في الله يحتمل . وبعد فإن الحب يخرج على الثناء ، وعلى العبادة والطاعة ، وعلى التبجيل والتعظيم ، وقد يخرج على ميل القلوب ، فحب الكفرة هذا ، وهو حب الجسدانى به الذي يولده
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2419 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 303 ) . ( 3 ) في ط : كعبادة . ( 4 ) قاله الربيع ، وابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 2417 ، 2418 ) ، وأخرجه عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة كما في الدر المنثور ( 1 / 304 ) .