أبي منصور الماتريدي

605

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال الشافعي : روى عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة على ناقته ليرى الناس « 1 » . وقال : خبر جابر أولى من خبر ابن جبير ؛ فكأنه وقع عنده أنه عن ابن جبير . وذلك عن ابن جبير عن ابن عباس ، رضى الله تعالى عنه ، وهو أولى ؛ لأن العذر كامن لا يعرف بالنظر من بعد ، وإنما يعرف بالتأمل ، أو بالخبر من عند ذي العذر ، وعلى هذا خرج خبر ابن عباس ، رضي الله عنه ، على أن خبر جابر لو صح على ما يروى فهو لما ذكر أنه « يرى الناس » فكأنه أراد أن يعلمهم ، وذلك كالتعليم منه ، والتعليم عليه لازم ، فهو بتركه يلام عليه ، فذلك عذر . والله أعلم . والثاني : أنه يجوز أن يكون فعله ذلك ليس هو فعل ما كان عليه ، أنه كيف كان يفعله ؟ فكان ذلك لمكان الدلالة للخلق بذلك هو الأمر المتوارث من صنيع الحج والعمرة ، أن الأولى يفعلون ما يفعل الحاج ، لا على فعل الحج ، ولكن على التعليم ؛ فعلى ذلك أمر المروى عنه صلى اللّه عليه وسلم . والله أعلم . ثم اختلف في الطواف بينهما بعد ما قيل : إن الجناح فيه لوجهين : أحدهما : ما قيل « 2 » : كان بالصفا صنم وبالمروة صنم فيخرجوا لمكانهما . وقيل « 3 » : كان بينهما أصنام ، لذلك كان يخرجهم . ثم قال الشافعي : إن السعي بينهما مفروض « 4 » ، حتى لو ترك الحاج خطوة منه وأتى

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2 / 926 ) ، كتاب الحج ، باب جواز الطواف على بعيره وغيره ( 254 / 1273 ) ، وأحمد ( 3 / 217 ، 313 ) ، وأبو داود ( 1 / 579 ) كتاب الحج ، باب الطواف الواجب ( 1885 ) ، والنسائي ( 5 / 241 ) كتاب المناسك ، باب الطواف بين الصفا والمروة على الراحلة . ( 2 ) قاله الشعبي ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2341 ، 2342 ، 2344 ) ، وزاد السيوطي في الدر ( 1 / 292 ) سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2364 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 292 ) . ( 4 ) ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن السعي ركن من أركان الحج لا يصح بدونه ، حتى لو ترك الحاج خطوة منه يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ، ويخطو تلك الخطوة . وهو قول عائشة وعروة بن الزبير . وذهب الحنفية إلى أن السعي واجب في الحج وليس بركن ، وهو مذهب الحسن البصري وسفيان الثوري . وركن السعي عند الجمهور سبعة أشواط ، حتى لو ترك شيئا منها لم يتحلل من إحرامه ، أما الحنفية فإن ركن السعي أكثر أشواط السعي ، والثلاثة الباقية ليست ركنا ، وتنجبر بالفداء . والمشي للقادر واجب في السعي عند الحنفية والمالكية ، سنة عند الشافعية والحنابلة . ينظر : فتح القدير ( 2 / 156 - 158 ) ، والمسلك المتقسط ( 115 - 121 ) ، وشرح الرسالة -