أبي منصور الماتريدي
603
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فهو على ما بينا من القول به ، وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت الصبر ، ثم روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الصبر عند الصدمة الأولى » « 1 » . وقد روى عن أنس ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : « ما من مصيبة وإن طال عهدها فيجدد لها العبد بالاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها كلما استرجع » « 2 » . فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة ، أو رجع عما كان فرط منه وتاب . والأول في غير ذلك . والله الموفق . ثم في الآية وجوه من المعتبر : أحدها : ما يلزم العبد من المصائب ، وما يستوجبه إذا وفي بما عليه . والثاني : في ذلك بيان أن الصحة ، والأمن ، وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في الحكمة ، لكنها إنعام من الله ، وله الابتلاء بأخذه ؛ إذ لو كان عليه الأول لم يكن يلزمه الشكر في ذلك . والله الموفق . والثالث : أن الله تعالى ذكر أنه بلا العباد بالذي ذكر ، ومعلوم أن ذلك يجرى على أيدي العباد بهم ، فأضاف ذلك إلى نفسه . ثبت أن له في ذلك تدبيرا حتى يبلوهم به . والله أعلم . وفيه أن الله تعالى قال : ونبلوكم بكذا ، ولم يكن كان يومئذ ثم كان ذلك ، وكذلك قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ . . . الآية [ البقرة : 214 ] ، ثم بلوا بذلك ليعلم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم علم ذلك بالله ، وتبين أيضا أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق ويقتضى القرار في الطبع ، لم يحتمل أن يجيزهم به لولا الأمر به وطاعة الله في ذلك . وأيضا أنه ذكر الخوف فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد ، وكذلك قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] فعلى ذلك الرجاء والطمع وجملته أن أمر
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3 / 177 ) كتاب الجنائز ، باب زيارة القبور ( 1283 ) ، ومسلم ( 2 / 637 - 638 ) كتاب الجنائز ، باب في الصبر على المصيبة ( 15 / 626 ) . ( 2 ) أخرجه الحكيم الترمذي كما في الدر المنثور ( 1 / 287 ) ، ولفظه : « ما من نعمة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الحمد إلا جدد الله له ثوابها ، وما من مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها وأجرها » . وله شاهد من حديث علي بن الحسين : أخرجه أحمد ( 1 / 201 ) ، وابن ماجة ( 1600 ) ، وأبو يعلى ( 6777 ، 6778 ) ، وابن حبان في المجروحين ( 3 / 88 ) .